يقظة المغرب التي قرأتها صحافة الضفة الأخرى

بقلم : محمد اليطفتي

لم يكن يوم 15 غشت 2026 يوماً عادياً على ضفتي الحدود.فقد كانت الأنظار متجهة إلى الفنيدق ومعبر تاراخال، في انتظار ما كانت شبكات التواصل الاجتماعي تروّج له من دعوات إلى اقتحام جماعي جديد لمدينة سبتة. غير أن ما وقع على الأرض كان أكثر دلالة من كل الدعوات الافتراضية: يقظة مغربية عالية، وانتشار أمني واسع، واستباق ميداني حال دون تحول التحريض الرقمي إلى واقع على الحدود.
وهذه ليست قراءة مغربية للحدث فقط، بل إن الصحافة الإسبانية نفسها اضطرت، اليوم، إلى تسجيل هذه الحقيقة.
فوكالة Europa Press تحدثت عن «تعزيز تاريخي» للسلطات المغربية، وأكدت أن حدود تاراخال بقيت هادئة منذ الساعات الأولى من الصباح، بعدما جرى نشر جهاز أمني مغربي واسع لمنع محاولة الدخول الجماعي التي جرى الترويج لها عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
أما El País، فوثق أن القوات المغربية اعترضت مجموعات من المهاجرين على مسافة تقارب ثلاثة كيلومترات من المعبر، وأن 61 شخصاً أوقفوا للاشتباه في التحريض على الهجرة غير النظامية، بينما بقيت سبتة نفسها تحت انتشار أمني مكثف.
وهنا تكمن دلالة يوم 15 غشت: المغرب لم ينتظر وصول الخطر إلى بوابة تاراخال، وإنما تحرك حيث يبدأ الخطر، وفي الوقت الذي كان لا يزال فيه قابلاً للاحتواء.
إنها فلسفة أمنية تقوم على الاستباق لا على رد الفعل، وعلى حماية الحدود قبل أن تصبح أمام أمر واقع.
وإذا كانت بعض الصحافة الإسبانية قد اختارت أن تضع الضوء على طريقة تدخل القوات العمومية المغربية، أو على قرار مطالبة صحفيي EFE وTVE بمغادرة الفنيدق، وهو نقاش مشروع يمكن أن يظل مفتوحاً في إطار احترام حرية الصحافة والقوانين المنظمة للعمل الإعلامي، فإن ذلك لا ينبغي أن يحجب الحقيقة المركزية التي فرضتها وقائع اليوم: المغرب كان حاضراً في الميدان، وكانت حدوده تحت السيطرة، ولم تتحول الدعوات التي انتشرت في الفضاء الرقمي إلى اقتحام جماعي جديد لسبتة.
وهذه اليقظة ليست وليدة لحظة عابرة.
فخلال الأيام السابقة، كانت السلطات المغربية قد رفعت مستوى التأهب في الفنيدق، وعززت الحضور الأمني والعسكري، وشددت مراقبة المسالك المؤدية إلى الحدود، في وقت كانت فيه السلطات الإسبانية نفسها ترفع درجة الاستنفار في سبتة. وقد وصفت RTVE الجانب المغربي بأنه منطقة «مؤمّنة» مع تعزيز الحضور الأمني وتركيب وسائل إضافية للمراقبة والحماية.
لقد فهم المغرب مبكراً أن المعركة لم تعد تجري فقط على الأرض، وإنما أصبحت أيضاً تجري في الفضاء الرقمي؛ حيث يمكن لمنشور مجهول المصدر، أو دعوة مجهولة الهوية، أن تتحول خلال ساعات إلى محاولة جماعية لخلق أزمة أمنية وإنسانية على الحدود.
ومن هنا، فإن التصدي للتحريض الرقمي، وتفكيك التجمعات قبل وصولها إلى الحدود، وحماية السكان والمنشآت، ومنع تعريض الأرواح للخطر، ليست إجراءات معزولة؛ إنها أجزاء من مسؤولية الدولة في حماية النظام العام وأمن المواطنين وصيانة حرمة الحدود.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل يقظة اليوم عن الرؤية الاستراتيجية التي جعلت من أمن المملكة واستقرارها وحماية حدودها جزءاً أساسياً من مقاربة الدولة المغربية الحديثة، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله.
فجلالة الملك، بما راكمته المملكة في عهده من بناء مؤسساتي وأمني وتنموي، جعل من قوة الدولة هدوءاً في الممارسة، ومن اليقظة استعداداً دائماً، ومن حماية الوطن مسؤولية لا تقبل الارتجال.
واليوم، حين تتحرك وزارة الداخلية والسلطات الترابية والقوات العمومية والأجهزة الأمنية والقوات المساعدة والدرك الملكي وكل المتدخلين، كلٌّ في مجال اختصاصه، فإنها لا تتحرك بمنطق رد الفعل الظرفي، وإنما ضمن منظومة متكاملة لحماية الأمن العام ومواجهة المخاطر التي قد تستهدف المملكة أو تهدد استقرارها أو توظف ترابها في محاولات غير قانونية للمساس بأمن الجوار.
ولذلك فإن التنويه واجب لكل رجل أمن، ولكل عنصر من القوات العمومية، ولكل مسؤول ترابي، ولكل من كان في الميدان اليوم؛ لأن الأمن لا تصنعه العناوين، وإنما يصنعه أولئك الذين يقفون في الشمس والليل والبرد، بعيداً عن الأضواء، حتى ينام الناس في أمان.
والرسالة المغربية إلى الجوار الإسباني ينبغي أن تكون واضحة وهادئة في آن واحد:
المغرب لا يبحث عن أزمة، لكنه لا يسمح بصناعة أزمة فوق ترابه.
ولا يريد المغرب حدوداً متوترة، وإنما حدوداً آمنة ومنظمة؛ ولا يريد أن تتحول سبتة أو الفنيدق إلى مسرح لمآسٍ إنسانية جديدة، بل يريد أن يسود القانون وأن تكون حركة الأشخاص بين الضفتين محكومة بالقواعد والاتفاقات والمسؤولية المشتركة.
ولعل ما جرى اليوم يؤكد، مرة أخرى، أن أمن سبتة لا يبدأ من الجانب الإسباني وحده، كما أن أمن الفنيدق لا يمكن اختزاله في الجانب المغربي وحده. إنهما واقعان جغرافيان متجاوران، وأي انفلات على أحد جانبي الحدود ستكون له ارتدادات مباشرة على الجانب الآخر.
ومن هنا، فإن اليقظة المغربية ليست ضد إسبانيا، بل هي أيضاً حماية لإسبانيا من تداعيات الانفلات.
وهذه حقيقة ينبغي أن تقرأها مدريد جيداً.
فالصحافة الإسبانية نفسها، وهي ترصد أحداث اليوم، قدمت الدليل على أن الهدوء الذي ساد معبر تاراخال لم يكن صدفة. لقد سبقه انتشار مغربي واسع واستعداد ميداني مكثف، انتهى إلى إفشال محاولة جديدة للوصول إلى الحدود.
إن المغرب الذي ظهر اليوم في الفنيدق هو مغرب اليقظة والجاهزية والمسؤولية؛ مغرب يعرف أن حماية حدوده ليست شعاراً، وأن صيانة أمنه لا تكون بالانتظار، وأن مواجهة التحريض الرقمي لا تبدأ بعد تجمع المئات، وإنما تبدأ منذ اللحظة التي تظهر فيها أولى إشارات الخطر.
وفي يوم 15 غشت، كان الاختبار واضحاً.
وكان الجواب المغربي أوضح: الحدود ليست فراغاً أمنياً، والمملكة ليست دولة تنتظر الأحداث، بل دولة تصنع يقظتها قبل أن تصل الأحداث إلى أبوابها.
وهذه، قبل أن تكون رسالة إلى الداخل، رسالة هادئة إلى الضفة الأخرى أيضاً:
المغرب يقظ. المغرب حاضر. والمغرب يعرف تماماً كيف يحمي أمنه، ويحمي حدوده، ويحمي استقرار جواره.

طنجةبريسhttps://tangerpress.com/news-62370.html




شاهد أيضا
تعليقات الزوار