حين تنتصر هيبة القانون في طنجة…

بقلم : محمد اليطفتي
ليست مدينة طنجة فضاءً مفتوحاً للفوضى،وليست حرية الاستثمار والنشاط التجاري ترخيصاً بتجاوز القانون أو تحويل المجال العام إلى امتداد عشوائي للمحلات والمقاهي.ومن هنا،فإن القرار الذي اتخذته السلطات الولائية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، بتشديد المراقبة على المحلات التجارية والمقاهي التي تشتغل خارج التوقيت المحدد في رخصها، يستحق التنويه، لأنه يعيد إلى الواجهة قاعدة بسيطة ولكنها جوهرية: لا نشاط تجارياً ناجحاً خارج احترام القانون، ولا تنمية حضرية مستدامة في ظل الفوضى.
نسجل بإيجابية كبيرة الحزم المسؤول الذي أبدته السلطات الولائية لولاية جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، تحت إشراف السيد الوالي يونس التازي،في التعامل مع هذه الإشكالات،بما يعكس تصوراً واضحاً للسلطة العمومية قوامه المراقبة والوقاية والتدخل في الوقت المناسب،بعيداً عن منطق الانتظار إلى أن تتحول الاختلالات الصغيرة إلى أزمات كبيرة.
كما نسجل الدور الميداني الفعال الذي تضطلع به ولاية أمن طنجة،بقيادة السيد والي الأمن عبد الكبير فرح، وما أبانت عنه المصالح الأمنية من قدرة على التنسيق مع السلطات المحلية ضمن مقاربة مشتركة تجمع بين حفظ النظام العام واحترام القانون وضمان السير العادي للحياة اليومية للمواطنين.
إن أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في مطالبة المقاهي والمحلات باحترام التوقيت المحدد في رخصها،وإنما في الرسالة الأعمق التي تحملها: الرخصة الإدارية ليست ورقة تسمح بتجاوز القانون، وإنما التزام متبادل بين الإدارة والمهني.
فكما أن الدولة مطالبة بتوفير شروط الاستثمار ومواكبة الأنشطة الاقتصادية،فإن أصحاب هذه الأنشطة مطالبون بدورهم باحترام الشروط التي حصلوا بموجبها على تراخيصهم، بما فيها التوقيت، وشروط السلامة،واحترام راحة السكان، وعدم التسبب في عرقلة حركة السير أو احتلال المجال العام بصورة تضر بالمصلحة المشتركة.
وهنا تحديداً تتجلى قيمة المقاربة التي اعتمدتها السلطات في طنجة؛ إذ لم يبدأ الأمر بالعقوبة،وإنما بالتنبيه والتوعية والمراقبة الميدانية،مع ترك الباب مفتوحاً أمام المهنيين للامتثال للقانون.وهذه هي السلطة التي نريدها: سلطة حازمة عندما يتعلق الأمر بالقانون، وعقلانية في أسلوب تطبيقه، ومنصفة في علاقتها بالمواطن والمهني.
إن طنجة اليوم ليست المدينة التي كانت بالأمس. إنها حاضرة كبرى تتوسع عمرانياً واقتصادياً وسياحياً، وتستقطب استثمارات وحركية بشرية متزايدة، ولذلك فإن تدبيرها يحتاج إلى قواعد أكثر صرامة في تنظيم المجال العام، وإلى موازنة دقيقة بين الحق في ممارسة النشاط الاقتصادي والحق في مدينة منظمة وآمنة وهادئة.
ومن الخطأ أن يُفهم التشدد في تطبيق القانون على أنه تضييق على التجارة أو الاستثمار. العكس هو الصحيح. فالمدينة المنظمة هي المدينة الأكثر قدرة على جذب الاستثمار، والأكثر جاذبية للسياحة، والأكثر احتراماً للمواطن.
ولذلك، فإن ما قامت به السلطات الولائية والأمنية بطنجة ينبغي أن يُقرأ باعتباره جزءاً من معركة أكبر من مجرد ضبط توقيت إغلاق المقاهي والمحلات: إنها معركة من أجل تكريس ثقافة احترام القانون، ومن أجل حماية المجال العام من الفوضى، ومن أجل جعل التنظيم الحضري مواكباً للتحولات الكبرى التي تعرفها طنجة.
وفي تقديرنا، فإن هيبة الدولة لا تقاس بكثرة القرارات، وإنما بقدرتها على إنفاذ القانون بعدل واستمرارية، وأن الأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بحضور رجل الأمن في الشارع، بل أيضاً بوجود قواعد واضحة يعرف الجميع أن تجاوزها ستكون له تبعات.
ومن هذا المنطلق، نسجل عالياً المسؤولية التي تتحلى بها السلطات الولائية لولاية جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، تحت إشراف السيد الوالي يونس التازي، كما نسجل الدور الذي تقوم به ولاية أمن طنجة بقيادة السيد والي الأمن عبد الكبير فرح، في ترسيخ منطق التنسيق والصرامة القانونية، بما يخدم المصلحة العامة ويحمي حق المواطنين في الأمن والسكينة والنظام.
فحين تنتظم المقاهي والمحلات في توقيتاتها، وحين تتحرر الشوارع من مظاهر الازدحام غير الضروري، وحين يشعر الساكن بأن راحته وحقه في الأمن والسكينة محترمان، وحين يدرك المستثمر أن احترام القانون هو الطريق الطبيعي لاستدامة نشاطه، فإن الرابح في النهاية ليس طرفاً دون آخر.
الرابح هو طنجة، حين ينتصر فيها القانون على الفوضى، والمصلحة العامة على الاعتبارات الضيقة.



