سبتة.. المغرب يرسّخ منطق الدولة ويؤكد مسؤولية الشراكة

بقلم : محمد اليطفتي

في الملفات المرتبطة بأمن المعابر والهجرة، كثيراً ما تختلط الوقائع بالتأويلات، وتتداخل الاعتبارات الإنسانية مع الحسابات السياسية والإعلامية، فيما تظل مسؤولية الدول هي الحفاظ على الأمن والاستقرار، وحماية الأرواح، وتدبير الأزمات بمنطق هادئ ومتوازن.
ومن هذه الزاوية تحديداً، تكتسب الاستعدادات التي تباشرها المملكة المغربية للتصدي لأي محاولات لاستغلال الفضاء الرقمي في التحريض على اقتحام جماعي لمعبر سبتة دلالات تتجاوز الظرفية الآنية، لتؤكد مرة أخرى حضور الدولة المغربية كطرف مسؤول وفاعل في تدبير ملف بالغ الحساسية.
لقد أظهر الفضاء الرقمي خلال السنوات الأخيرة أن التحديات الأمنية لم تعد تنشأ بالضرورة في الميدان، بل قد تبدأ من خلف الشاشات، عبر رسائل ومقاطع ومنشورات قادرة على الانتشار في وقت قياسي، وعلى خلق موجات من التعبئة يصعب أحياناً التحكم في مآلاتها.
ولذلك، فإن التعامل الاستباقي مع مثل هذه الدعوات لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تضييقاً على الفضاء الرقمي، وإنما باعتباره ممارسة طبيعية لمسؤولية الدولة في الوقاية من المخاطر، وحماية المواطنين، ومنع أي توظيف غير مسؤول للمنصات الرقمية بما قد يعرض الأرواح للخطر أو يهدد النظام العام.
وفي حالة سبتة السليبة، تبدو هذه المقاربة أكثر أهمية بالنظر إلى خصوصية المنطقة وتشابك ملفات الهجرة والأمن والمعابر والعلاقات المغربية الإسبانية. وهي ملفات تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى قدر كبير من الحكمة والرصانة، بعيداً عن التشنج أو القراءات المتسرعة التي قد تحول قضية ذات أبعاد إنسانية وأمنية إلى مادة للمزايدات السياسية والإعلامية ،خاصة من قبل المعارضة الإسبانية واليمينيين.
ومن هنا، فإن ما تقوم به المملكة المغربية يؤكد أن أمن المعابر ليس مجالاً للمساومة، كما أن حماية الأرواح ليست موضوعاً للمزايدة. وفي الوقت ذاته، فإن الحزم في مواجهة أي تحريض أو محاولات لتنظيم عبور جماعي لا يتعارض مع المقاربة الإنسانية التي اعتمدها المغرب في تدبير قضية الهجرة، ولا مع انخراطه المتواصل في التعاون مع شركائه، وفي مقدمتهم المملكة الإسبانية، من أجل معالجة التحديات المشتركة بروح المسؤولية المشتركة.
إن المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، اختار منذ سنوات أن يجعل من التعاون والشراكة ركيزة أساسية في علاقاته مع محيطه الإقليمي والدولي.
وقد أثبتت التجربة أن المملكة لا تنظر إلى الهجرة باعتبارها مجرد ملف أمني، وإنما باعتبارها قضية متعددة الأبعاد، تستدعي الجمع بين البعد الإنساني والاجتماعي والتنموي والأمني، مع احترام سيادة الدول ومسؤولياتها.
ولذلك، فإن التعاطي المغربي مع التطورات المرتبطة بسبتة السليبة ينبغي أن يُقرأ في هذا الإطار الواسع: دولة تتحمل مسؤولياتها، وشريك يلتزم بتعهداته، ومؤسسات تتحرك بمنطق الوقاية والاستباق، وليس بمنطق انتظار الأزمات حتى تبلغ ذروتها.
ولعل هذه النقطة تحديداً هي التي تفسر الكثير من النقاش الذي أثارته القضية في الإعلام الإسباني.
فحين يتعلق الأمر بالحدود والهجرة، تبرز دائماً قراءات متعددة بخلفيات شوفينية ، وقد تختلف التقديرات من منبر إلى آخر، لكن الوقائع الميدانية تظل أكثر دلالة من السجالات الإعلامية مع استحضار التحيز السافر لبعض وسائل الإعلامية الإسبانية.
والمهم في النهاية هو أن يستمر التواصل بين البلدين، وأن تُدار الملفات الحساسة عبر القنوات المؤسساتية، وأن يتم الاحتكام إلى منطق التعاون والمسؤولية المشتركة.
إن العلاقات المغربية الإسبانية قطعت خلال السنوات الماضية أشواطاً مهمة، وأصبحت تقوم على شبكة واسعة من المصالح المشتركة والتعاون المتعدد المستويات.
ولذلك فإن الملفات التي قد تفرض نفسها بين الفينة والأخرى، مهما بلغت حساسيتها، لا ينبغي أن تحجب حقيقة أن البلدين يواجهان تحديات مشتركة، وأن استقرار الضفتين يظل مصلحة متبادلة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية المقاربة المغربية القائمة على الاستباق. فحين ترصد الدولة دعوات رقمية تحرض على اقتحام المعابر، فإن أفضل مقاربة هي التدخل قبل أن تتحول الدعوة الافتراضية إلى واقع ميداني يصعب احتواؤه.
وحين يتعلق الأمر بشباب قد تدفعه رسائل مضللة أو تحريضية إلى المخاطرة بحياته، فإن مسؤولية الدولة تقتضي التدخل لحمايته، تماماً كما تقتضي مسؤوليتها حماية أمن المعابر وضمان سلامة المواطنين والمقيمين.
وهو ما يعيدنا إلى حقيقة أصبحت أكثر وضوحاً في عالم اليوم: الأمن لم يعد جغرافيا فقط، بل أصبح رقمياً أيضاً. والمعابر لم تعد مجرد خطوط على الخرائط، وإنما أصبحت منظومة متكاملة تشمل المعلومة، والرصد، والتنسيق، والوقاية، والتواصل، والاستجابة السريعة للمخاطر الناشئة.
ومن هذه الزاوية، فإن التعامل المغربي مع محاولات التحريض الرقمي على التسلل الى سبتة السليبة يعكس تطوراً طبيعياً في مفهوم الأمن ، كما يعكس قدرة المؤسسات المغربية على مواكبة التحولات الجديدة في طبيعة المخاطر.
وهي قدرة تندرج ضمن رؤية أشمل جعلت من الاستباق إحدى ركائز العمل المؤسساتي، ومن التعاون الدولي وسيلة لمعالجة التحديات الأمنية قائمة على روح التعاون وليس على أمور أخرى قد تقوم على التصورات النظرية .
وإذا كان من حق الإعلام أن يطرح الأسئلة، وأن يناقش السياسات، وأن يختلف في التقديرات، فإن من مسؤولية الجميع أيضاً تجنب تحويل قضايا حساسة من هذا النوع إلى وقود للتوتر بين بلدين تجمعهما علاقات عميقة ومصالح مشتركة.
فالمغرب وإسبانيا ليسا أمام تحدٍّ منفصل لكل طرف، وإنما أمام تحديات عابرة للحدود تحتاج إلى مزيد من التنسيق والتواصل وتبادل المعلومات.
ومن هنا، فإن الموقف المغربي يبعث برسالة واضحة، ولكنها رسالة هادئة: المملكة حازمة في التعاطي مع المسائل الامنية بحزم ومسؤولية، وهي حريصة على أمن مواطنيها، و مسؤولة في تدبير ملف الهجرة بالمنطقة الصحيح والخلفيات الواقعية، ومنفتحة في الوقت ذاته على التعاون مع شركائها.
وهي معادلة تبدو بسيطة في صياغتها، لكنها عميقة في دلالاتها: الحزم لا يعني القطيعة، والاستباق لا يعني التصعيد، وحماية المعابر لا تعني التخلي عن البعد الإنساني، بل إن الدولة القوية هي التي تستطيع أن تجمع بين هذه الاعتبارات جميعها في إطار متوازن.
لقد أثبت المغرب، في أكثر من مناسبة، أنه لا ينتظر الأزمات حتى تتفاقم لكي يتحرك. وهذه الثقافة الاستباقية هي التي تعزز صورته كشريك يمكن الاعتماد عليه، ليس فقط في القضايا الثنائية، وإنما في عدد من الملفات الإقليمية والدولية ذات الصلة بالأمن والهجرة والاستقرار.
وفي ظل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، تواصل المملكة ترسيخ هذا الدور، انطلاقاً من رؤية تقوم على احترام السيادة، وتغليب الحوار، وتعزيز التعاون، وربط المسؤولية بالاستباق، وجعل الأمن والاستقرار ركيزة أساسية لأي شراكة متوازنة.
إن قضية سبتة السليبة، بكل حساسيتها، ينبغي في نهاية المطاف أن تُدار بعقلية الدولة لا بمنطق الانفعال، وبالحوار المؤسساتي لا بضجيج المنصات، وبالتعاون المسؤول لا بالتراشق الإعلامي.
وما يظهر اليوم من يقظة واستعداد مغربيين يؤكد أن المملكة تدرك طبيعة المرحلة، وتعرف حجم مسؤولياتها، وتتحرك بما ينسجم مع موقعها الإقليمي ومع التزاماتها كشريك موثوق.
فالمغرب لا يختار بين الحزم والشراكة؛ بل يؤكد أن الحزم المسؤول هو أحد شروط الشراكة الناجحة، وأن الاستباق هو أفضل ضمانة للاستقرار، وأن الدولة التي تحمي معابرها وتحمي أبناءها وتفي بالتزاماتها، هي دولة يُعوَّل عليها في مواجهة التحديات المشتركة.
وهذه، في نهاية المطاف، هي الرسالة الأهم التي تحملها التطورات الحالية: المملكة المغربية موجودة في المكان الذي ينبغي أن تكون فيه الدولة المسؤولة؛ يقظة حين تقتضي الضرورة، حازمة حين تستدعي المسؤولية ذلك، ومنفتحة دائماً على التعاون والحوار.

طنجةبريسhttps://tangerpress.com/news-62351.html




شاهد أيضا
تعليقات الزوار