وادي الذهب.. من ملحمة الاسترجاع إلى مغرب الإنجاز

بقلم : محمد اليطفتي
في الذكرى السابعة والأربعين لاسترجاع إقليم وادي الذهب، لا يستحضر المغاربة مجرد تاريخ مضى، ولا يستعيدون صفحة من صفحات الذاكرة الوطنية فحسب، وإنما يستحضرون محطة مجيدة من تاريخ المغرب الحديث، جسدت بأوضح صورها ذلك التلاحم العميق والمتجذر بين العرش والشعب، وأكدت أن قضية الوحدة الترابية ليست ملفاً عابراً في السياسة المغربية، بل هي قضية وجود ووفاء وذاكرة وهوية.
لقد كان يوم استرجاع وادي الذهب لحظة وطنية فارقة، التقت فيها إرادة العرش بإرادة الشعب، وتجدد فيها العهد على أن مغربية الصحراء ليست شعاراً يرفع في المناسبات، وإنما حقيقة تاريخية ووطنية ترسخت في وجدان المغاربة جيلاً بعد جيل. ومنذ ذلك التاريخ، ظل المغرب وفياً لخيار الدفاع عن وحدته الترابية، مستنداً إلى شرعية التاريخ، وقوة القانون، وإرادة المغاربة، وحكمة الدولة في تدبير هذا الملف الوطني الكبير.
واليوم، ونحن نستحضر هذه الذكرى في عهد جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، فإننا نستحضر معها مساراً وطنياً حافلاً بالإنجازات والتحولات التي جعلت من الأقاليم الجنوبية للمملكة فضاءً للتنمية والاستثمار والانفتاح على إفريقيا والعالم.
لقد أعطى جلالة الملك محمد السادس لقضية الصحراء المغربية بعداً جديداً، حين جعل من التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية رافعة أساسية لترسيخ الارتباط بين الإنسان والمجال، وتحويل الأقاليم الجنوبية إلى نموذج للتنمية المتوازنة، وإلى جسر استراتيجي للمملكة نحو عمقها الإفريقي.
وما تحقق في الصحراء المغربية خلال السنوات الأخيرة من أوراش كبرى في البنيات التحتية والموانئ والطرق والطاقة والماء والتعليم والصحة والاستثمار، ليس مجرد أرقام في تقارير التنمية، وإنما هو تعبير عملي عن إرادة ملكية جعلت المواطن في صلب المشروع الوطني، وجعلت من الأقاليم الجنوبية جزءاً أساسياً من مغرب المستقبل.
وفي مقدمة هذه الأوراش يبرز مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، وما يحمله من أبعاد اقتصادية واستراتيجية، فضلاً عن المشاريع المرتبطة بالطريق السريع تزنيت–الداخلة، ومشاريع الطاقات المتجددة، وتعزيز الربط والبنيات اللوجستية. وهي أوراش تؤكد أن المغرب لا يكتفي بالدفاع عن وحدته الترابية سياسياً ودبلوماسياً، وإنما يعززها أيضاً بمنطق التنمية والاندماج الاقتصادي.
إن قوة النموذج المغربي في الأقاليم الجنوبية تكمن تحديداً في هذا التزاوج بين الشرعية التاريخية والمشروعية التنموية؛ فالدولة التي تستثمر في الإنسان، وتفتح آفاق العمل والاستثمار، وتبني الموانئ والطرق والمستشفيات والمؤسسات التعليمية، إنما تجعل من التنمية إحدى أقوى أدوات تثبيت الوحدة الوطنية.
ولعل ما يميز عهد جلالة الملك محمد السادس هو أن الدفاع عن الوحدة الترابية لم يعد محصوراً في الخطاب السياسي والدبلوماسي، بل أصبح مشروعاً وطنياً متكاملاً، تتحرك فيه الدبلوماسية جنباً إلى جنب مع الاقتصاد والتنمية والاستثمار والانفتاح الإفريقي.
لقد استطاعت المملكة، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك، أن تجعل من قضية الصحراء المغربية محوراً من محاور السياسة الخارجية، وأن تعزز حضورها الإفريقي والدولي، وأن تدافع عن مبادرتها للحكم الذاتي باعتبارها حلاً واقعياً وذا مصداقية للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
وفي هذه الذكرى، يستحضر المغاربة أيضاً أن الوحدة الترابية كانت وستظل ثمرة تضحيات أجيال من المغاربة، وأن العرش المغربي ظل عبر التاريخ عنواناً لوحدة البلاد واستمراريتها، من خلال علاقة متينة بين المؤسسة الملكية والشعب، لم تنجح التحولات ولا الأزمات ولا المؤامرات في النيل منها.
إن استرجاع وادي الذهب لم يكن نهاية معركة، بل كان حلقة في مسار وطني طويل، تتواصل فصوله اليوم من خلال معركة التنمية، ومعركة تثبيت الحضور المغربي في إفريقيا، ومعركة الدفاع عن الحقيقة التاريخية والقانونية للمملكة.
وإذا كان التاريخ قد سجل يوم استرجاع وادي الذهب باعتباره يوماً من أيام المغرب المجيدة، فإن الحاضر يسجل، تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، صفحات جديدة من هذا المسار؛ صفحات عنوانها التنمية، والاستقرار، والانفتاح، والدبلوماسية الفاعلة، والوفاء للثوابت الوطنية.
وهكذا، تظل ذكرى استرجاع وادي الذهب مناسبة لتجديد العهد لا لاستعادة الماضي فقط؛ مناسبة لنتذكر أن المغرب الذي صان وحدته بالأمس هو نفسه المغرب الذي يبني قوته اليوم، وأن العرش الذي قاد مسيرة التحرير واستكمال الوحدة الترابية هو ذاته العرش الذي يقود مسيرة التنمية والتحديث وترسيخ مكانة المملكة بين الأمم.
وفي الذكرى السابعة والأربعين، يجدد المغاربة، من طنجة إلى الكويرة، تشبثهم بوطن واحد، وعرش واحد، ووحدة ترابية لا تقبل المساومة، ويستحضرون باعتزاز قيادة جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، الذي جعل من مغربية الصحراء قضية سيادة، ومن تنميتها عنواناً للتقدم، ومن انتمائها إلى الوطن حقيقة راسخة في التاريخ والجغرافيا والوجدان.
إن وادي الذهب، في الذاكرة المغربية، ليس مجرد اسم على خارطة؛ إنه عهد متجدد بين شعب وملكه، وبين تاريخ عريق ومستقبل تصنعه الإرادة الوطنية. وفي هذا العهد تكمن قوة المغرب، وفي وحدة المغاربة حول ثوابته تكمن قدرته على مواصلة البناء والانتصار للمستقبل.
طنجةبريسhttps://tangerpress.com/news-62361.html



