سبتة.. حين تتحول الشائعة إلى خطر، وتصبح اليقظة الوطنية مسؤولية الجميع

ليس كل ما يُنشر على منصات التواصل الاجتماعي خبراً، وليس كل ما يُتداول في مجموعات المحادثة حقيقة، وليس كل دعوة مجهولة المصدر إلى المغامرة تستحق أن تُمنح صفة «الحراك» أو «الاحتجاج». أحياناً تكون المسألة أخطر من ذلك بكثير: شائعة تتحول إلى حشد، وتحريض يتحول إلى اندفاع جماعي، والاندفاع الجماعي قد يتحول، في دقائق، إلى مأساة إنسانية.
وهنا تحديداً تكمن أهمية اليقظة التي أبانت عنها المملكة المغربية،في مواجهة الدعوات الجديدة المتداولة عبر صفحات مجهولة وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات مغلقة على تطبيقات التراسل، والتي تسعى إلى إعادة سيناريو محاولة فاشلة أصلا،للعبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة ليوم 15 غشت2026، بعد أسابيع قليلة فقط من أحداث أواخر يوليوز التي كشفت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن البحر ليس طريقاً إلى الحلم، وأن التضليل الرقمي قد يقود الشباب إلى أخطر أنواع المقامرة: المقامرة بالحياة.
لقد كان المشهد السابق درساً قاسياً. شباب اندفعوا خلف وعود افتراضية وصور ومقاطع ومعلومات مضللة، قبل أن يصطدموا بواقع مختلف تماماً عما رسمته لهم الشاشات. وكانت النتيجة مأساوية، مع تسجيل وفيات وغرقى، فيما عاد عدد كبير ممن تمكنوا من الوصول إلى سبتة إلى التراب الوطني، سواء طوعاً أو في إطار عمليات الإرجاع، محملين بالإحباط بعدما اكتشفوا أن الطريق الذي صُوّر لهم باعتباره معبراً سهلاً نحو مستقبل أفضل كان في الحقيقة طريقاً محفوفاً بالموت والمخاطر.
وما تزال حركة العودة مستمرة، عبر معبر باب سبتة، في صورة تختصر الكثير من الكلام: من ذهبوا وهم يحملون أوهام الوصول، يعودون وهم يحملون مرارة التجربة.
لكن الأخطر أن بعض الجهات التي تقف وراء صناعة الوهم لم تستخلص أي درس من هذه المأساة. فبدل أن تتوقف عن المتاجرة بأحلام الشباب، عادت إلى محاولة تعبئة جديدة، وكأن أرواح الناس مجرد أرقام في معادلة رخيصة لتجار البشر وأصحاب المصالح المشبوهة.
ومن هنا نفهم أهمية ما قامت به الأجهزة الأمنية خلال الساعات الأخيرة من توقيف أشخاص يشتبه في تورطهم في نشر مضامين تحريضية والدعوة إلى محاولات جديدة للعبور غير النظامي. وهذه الإجراءات ليست مجرد تدبير أمني عابر، وإنما هي تعبير عن انتقال الدولة من موقع رد الفعل إلى موقع الاستباق، ومن مراقبة الخطر بعد وقوعه إلى محاولة قطع الطريق عليه قبل أن يتحول إلى كارثة.
وتؤكد المعطيات الدولية المتداولة أن التضليل عبر المنصات الرقمية لعب بالفعل دوراً في تعبئة الراغبين في الوصول إلى سبتة خلال أزمة يوليوز، وأن الشائعات انتشرت بسرعة عبر شبكات اجتماعية ومجموعات خاصة، الأمر الذي دفع منصات كبرى إلى تعزيز إجراءات التحقق من المحتوى المرتبط بالعبور غير النظامي.
إن ما يجري اليوم يستحق قراءة أعمق من مجرد كونه ملفاً للهجرة غير النظامية. نحن أمام ظاهرة مركبة، يتداخل فيها الفقر واليأس والأوهام الرقمية مع نشاط شبكات الاتجار بالبشر، واستغلال قابلية بعض الشباب للتأثر برسائل مجهولة المصدر.
ولهذا فإن اليقظة الأمنية التي تباشرها المملكة المغربية ليست فقط ضرورة لحماية الحدود، وإنما هي قبل كل شيء حماية للإنسان.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التعبئة التي تقودها ولاية جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، تحت إشراف السيد والي الجهة، بمختلف المصالح والمتدخلين، إلى جانب ولاية أمن طنجة وسائر الأجهزة الأمنية والقوات العمومية بجهة طنجة تطوان الحسيمة ، في التعامل الاستباقي مع هذه الدعوات، وتعزيز الحضور الأمني بمختلف المسالك والمحاور المؤدية إلى تطوان والفنيدق، بما يحول دون تحويل الشائعة الرقمية إلى موجة بشرية يصعب التحكم في تداعياتها.
إن الجاهزية التي تُظهرها السلطات العمومية اليوم تؤكد أن الدولة المغربية تتابع التطورات بدقة، وأن حماية المواطنين والحفاظ على النظام العام وتأمين المناطق الحدودية ليست مواضيع قابلة للمغامرة أو التساهل.
والمهم هنا أن نفهم أن الحزم لا يعني القسوة، وأن تطبيق القانون لا يتناقض مع البعد الإنساني. على العكس تماماً، فإن منع شاب من إلقاء نفسه في البحر تحت تأثير فيديو مضلل أو رسالة مجهولة قد يكون، في جوهره، فعلاً من أفعال حماية الحياة.
لقد أثبتت أحداث يوليوز أن الفضاء الرقمي يمكن، في لحظات معينة، أن يتحول من مجال للتواصل إلى أداة للتعبئة الخطرة. وما ينشر اليوم في حساب مجهول قد يصل غداً إلى آلاف الشباب، وقد يكفي مقطع واحد أو إشاعة واحدة لصناعة اعتقاد جماعي بأن الحدود مفتوحة وأن الطريق آمن وأن الوصول مضمون.
وهنا لا بد من مسؤولية موازية تقع على عاتق الأسر والمجتمع والإعلام والمواطنين أنفسهم: لا تشاركوا الشائعة، لا تعيدوا نشر دعوات مجهولة، ولا تمنحوا تجار الوهم فرصة الوصول إلى عقول أبنائنا.
فكل «شارك» قد يساهم في نشر الوهم، وكل إعادة إرسال لمعلومة غير موثوقة قد تكون حلقة في سلسلة تنتهي بشاب في عرض البحر.
كما أن المسؤولية تقع على المنصات الرقمية نفسها، التي لم يعد بإمكانها التعامل مع هذا النوع من المحتوى باعتباره مجرد منشورات عادية. عندما يتحول التضليل إلى تحريض على سلوك يهدد الأرواح، فإن المسألة تتجاوز حرية التعبير في معناها الطبيعي إلى ضرورة مواجهة المحتوى الذي يمكن أن تكون له نتائج مادية مباشرة وخطيرة.
إن المغرب، وهو يواجه هذه الموجة الجديدة، لا يدافع فقط عن حدوده؛ إنه يدافع عن أبنائه من شبكات تستثمر في اليأس، وعن مدنه الشمالية من الفوضى، وعن أمنه الوطني من كل محاولة لتحويل الفضاء الرقمي إلى منصة للحشد غير المسؤول.
والرسالة التي ينبغي أن تصل اليوم إلى كل شاب يفكر في خوض هذه المغامرة بسيطة وواضحة: لا أحد يستطيع أن يضمن لك ما بعد البحر، ولا أحد ممن يحرضونك من خلف شاشة هاتفه سيقف إلى جانبك عندما تواجه الأمواج.
أما الدولة،فقد أثبتت مرة أخرى أنها حاضرة، بفضل يقظة،وجاهزية كل السلطات والأمنية.
والفرق كبير بين دولة تنتظر الخطر حتى يقع، ودولة تراه وهو يتشكل في الظل فتتحرك قبل أن يصل إلى الشارع.
إنها يقظة المغرب،وهي في هذه اللحظة بالذات ليست ترفاً أمنياً،بل ضرورة وطنية وإنسانية.
طنجةريسhttps://tangerpress.com/news-62366.html



