الإستعمار الإسباني لمدينة مليلية:من إحتلال سنة 1497 إلى المقاومةالمغربية عبر5 قرون

تُعد مدينة مليلية أو مريتش بالأمازيغية ⵎⵔⵉⵜⵛ واحدة من أقدم المدن المورية المغربية التي خضعت للاحتلال الأوروبي، إذ إستولت عليها إسبانيا سنة 1497، في مرحلة شهدت توسع القوى الإيبيرية على السواحل المغربية بعد سقوط مملكة غرناطة المورية في الأندلس سنة 1492.و لا تزال المدينة،إلى جانب سبتة،والجزر الجعفرية،و صخرة الحسيمة أو نكور المحتلة و بادس غمارة،محل خلاف سياسي بين المغرب و إسبانيا منذ خمسة مئة عام، حيث يعتبرها المغرب جزءا لا يتجزأ من ترابه الوطني، بينما تعدها إسبانيا مدينة ذاتية الحكم ضمن أراضيها.
و يرتبط تاريخ مليلية بتاريخ القبائل الريفية المجاورة،و خاصة قبيلتي آيت شيشار أو بني شيكر و إمزوجن أو مزوجة، اللتين شكّلتا عمقها الجغرافي و البشري،و أسهمتا،إلى جانب قبائل الريف الأخرى،في مقاومة الوجود الإسباني على مدى قرون.
أولاً: مليلية قبل الإحتلال الإسباني:
عرفت مليلية في العصر الموري القديم  بإسم آرز ودير أو روسادير منذ العصور القديمة كميناء إستراتيجي على الساحل المتوسطي للمغرب كمركز إقتصادي و تجاري مهم تعاقبت عليها حضارات متعددة، منها التجار القرطاجيون و الإحتلال الرومان، قبل أن تصبح مدينة إسلامية في العهد الموري الإسلامي في شمال إفريقيا.
و خلال العصور الوسطى كانت المدينة جزءًا من المجال السياسي للدول المغربية المتعاقبة، مثل المرابطين و الموحدين و المرينيين و الوطاسيين و إمارة بطوية النفزوية أو إبطوين، و كانت مرتبطة تجاريا و إجتماعيا بقبائل الريف المجاورة، و في مقدمتها آيت شيشار و إمزوجن، اللتان وفرتا لها المجال الزراعي و البشري.
ثانياً: الاحتلال الإسباني سنة 1497:
بعد سقوط مملكة غرناطة المغربية بالأندلس، شرعت إسبانيا في تنفيذ سياسة توسعية على السواحل المغربية بهدف:
السيطرة على طرق التجارة البحرية.
الحد من نشاط الأساطيل الإسلامية في البحر المتوسط.
إنشاء قواعد عسكرية تقدمة لمواجهة الدولة العثمانية و تقويض السيادة المغربية في غرب المتوسط.
و في سنة 1497 نزلت قوة إسبانية في مليلية و إستولت عليها مستفيدة من ضعف الدولة المغربية في العهد الوطاسي و من تراجع العمران داخل المدينة آنذاك نتيجة الحروب المرينية الوطاسية.
 و منذ ذلك التاريخ أصبحت مليلية قاعدة عسكرية محصنة تخضع للإحتلال الإسباني.
و رغم الإحتلال، لم تمتد السيطرة الإسبانية إلى المناطق الداخلية، بل بقي نفوذها محصورًا داخل الأسوار، بينما ظلت القبائل المغربية تفرض وجودها في محيط المدينة.
ثالثاً: مليلية و علاقتها بقبيلتي بني شيكر و مزوجة:
تقع مليلية وسط المجال التاريخي لقبائل الريف الشرقي لإتحادية قلعية، و كانت الأراضي المحيطة بها مرتبطة بقبيلتي بني شيكر ومزوجة و غيرهما من القبائل المجاورة.
و قد إعتمد سكان المدينة تاريخيًا على الأراضي الزراعية و الموارد الموجودة في هذا المجال القبلي، مما جعل العلاقة بين المدينة و محيطها وثيقة من الناحية الإقتصادية و الإجتماعية.
و يرى عدد من الباحثين المغاربة أن توسع المدينة خلال العصر الحديث جرى على حساب أراضٍ كانت تستغلها القبائل المغربية، في حين تقدم الكتابات الإسبانية تفسيرات تاريخية و قانونية مختلفة بشأن تطور حدود المدينة. و لذلك تبقى التفاصيل المتعلقة بملكية بعض المجالات الحدودية موضوعًا للنقاش التاريخي و السياسي.
رابعاً: المقاومة المغربية عبر أربعة قرون:
لم يقبل سكان الريف بالإحتلال الإسباني، و ظلت مليلية محاصرة فعليا من قبل القبائل المغربية لفترات طويلة.
1. مقاومة القرنين السادس عشر و السابع عشر:
شهدت هذه المرحلة هجمات متكررة على الحاميات الإسبانية، و فرضت القبائل حصارا مستمرا على المدينة، مما إضطر الإسبان إلى الإعتماد على الإمدادات البحرية.
2. مقاومة القرن الثامن عشر:
في عهد السلطان محمد بن عبد الله العلوي جرت محاولات عسكرية لإسترجاع مليلية، و كان أبرزها حصار مليلية بين سنتي 1774 و 1775، حيث شاركت قوات السلطان إلى جانب القبائل المغربية، إلا أن الحصار إنتهى دون إستعادة المدينة بسبب صعوبة إقتحام تحصيناتها و وصول الدعم البحري الإسباني.
3. مقاومة القرن التاسع عشر:
مع توسع النفوذ الإسباني خارج أسوار مليلية، إندلعت مواجهات متكررة مع قبائل الريف، كان أبرزها حرب سنة 1859–1860، التي إنتهت بتوقيع معاهدة وسعت بموجبها إسبانيا المجال الخاضع لسيطرتها حول المدينة و طرد السكان المحليين من قراهم بعد تدميرها.
و رغم ذلك استمرت القبائل في رفض التوسع الإسباني.
4. المقاومة في القرن العشرين:
 خلال حرب مليلية أو حرب الريف الأولى سنة 1893 إنهزمت مقاومة قبائل الريف الشرقي في محاولتها إسترجاع الثغر المحتل إنتهت بمعاهدة لصالح الإسبان بالمنطقة و بلغت المقومة المحلية ذروتها بقيادة الشريف محمد أمزيان و محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي ألحق بالقوات الإسبانية هزيمة كبيرة في معركة إغزار ن وشن أو وادي الذيب سنة 1909 و معركة  أنوال سنة 1921، و التي تعد من أكبر الهزائم العسكرية في التاريخ الإستعماري الإسباني.
و رغم أن مليلية لم تُسترجع، فإنها تعرضت لضغط عسكري كبير، و إضطرت إسبانيا إلى تعزيز دفاعاتها بشكل غير مسبوق.
خامساً: الأهمية الإستراتيجية لمليلية:
تمثل مليلية أهمية كبيرة بسبب:
موقعها على البحر الأبيض المتوسط.
قربها من مضيق جبل طارق.
دورها العسكري و الإقتصادي.
إعتبارها نقطة مراقبة للهجرة و التجارة البحرية.
و لهذه الأسباب تمسكت بها إسبانيا منذ نهاية القرن الخامس عشر.
سادساً: الموقف المغربي:
بعد إستقلال المغرب سنة 1956، أعلن أن مليلية و سبتة و الجزر المجاورة لا تزال أراضي مغربية خاضعة للإحتلال الإسباني، و دعا إلى تسوية القضية بالحوار.
في المقابل، تؤكد إسبانيا أن مليلية جزء من أراضيها، و ترفض إدراجها ضمن مسار تصفية و إنهاء الإستعمار، و هو ما يجعل الملف من أبرز القضايا العالقة في العلاقات المغربية الإسبانية.
خاتمـــــــــــــــة:
يمتد تاريخ الوجود الإسباني في مليلية لأكثر من خمسة قرون، غير أن هذا الوجود لم يكن مستقرًا دون مقاومة. فقد لعبت قبائل الريف، و من بينها بني شيكر و مزوجة، دورًا مهمًا في مواجهة التوسع الإسباني، سواء من خلال الحصار أو الاشتباكات العسكرية أو المشاركة في الحملات التي قادتها الدولة المغربية في فترات مختلفة من التاريخ. كما شكلت حرب الريف الثانية بقيادة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي محطة بارزة في تاريخ مقاومة الإستعمار، و أثبتت قدرة المغاربة على مواجهة إحدى القوى الاستعمارية الكبرى في القرن العشرين. و لا تزال مليلية إلى اليوم محور خلاف سياسي و دبلوماسي بين المغرب و إسبانيا، بما يعكس الأهمية التاريخية و الإستراتيجية لهذه المدينة و إستمرار مطالبة قبيلتي آيت شيشار و إمزوجن و عموم المغاربة بإسترجاعها إلى حضن الوطن و تصفية أخر الستعمارات الأوربية في شمال إفريقيا بإعتبارها قضية وطنية عادلة و مشروعة.



شاهد أيضا
تعليقات الزوار