ملحمة الاستقلال 18نونبر1956ونداءات المغربِ الوطنية..



عبد السلام انويكًة

ملاحم وطن عدة استهدفت ما هو تراب ونماء بشري ومستقبلا أفضل للبلاد،هو ما كان عليه مغرب الاستقلال بعد استرجاعه لسيادته قبل خمسة وستين سنة.ولعل مما طبع البلاد من نداءات وانشغالات وأشغال وأوراش ترابية هنا وهناك كذا تحديات وعلاقات دبلوماسية طيلة هذه الفترة من زمنه الراهن،نجد نداء وطن ووطنية ارتبط بأول ملحمة ترابية همت طريق وحدةٍ صيف سنة ألف وتسعمائة وسبعة وخمسين سنة فقط بعد الاستقلال،إسم أطلقه السلطان محمد بن يوسف رحمه الله على مسلك جبلي وعر فاصل بين تاونات وكتامة،لكونها انهت حدودا وهمية كانت قائمة بين منطقتي احتلال فرنسي واسباني زمن الحماية.وغير خاف عن مؤرخين وباحثين مهتمين أن هذا الطريق الذاكرة تم شقه ضمن نداء وطني،من قِبل شباب مغربي متطوع في جو تعبئة وفرح وحماس غداة الاستقلال،إثر خطاب ملكي حول انجاز هذا الورش الرمزي في منتصف يونيو من نفس السنة. وملحمة طريق الوحدة هذه استهدفت انهاء واقع إرث استعماري من جهة،وإعداد مشاركين متطوعين وفق ما ينبغي من تعارف وتبادل لوجهات نظر حول شؤون البلاد،كذا تلقي مبادئ مواطنة ووطنية ليكونوا بمثابة طاقات واعدة اصلاحية من جهة ثانية. ولعل بقدر ما محى طريق الوحدة معالم حدود عن الزمن الاستعماري وتوحيد شمال البلاد بجنوبها، بقدر ما تخرج منه كورش ميداني على امتداد ثلاثة أشهر شباب متشبع بمعاني وطن.هكذا كان هذا الطريق أول نداء وأول مسيرة من مسيرات بناء مغرب الاستقلال،تلك التي أشرف عليها السلطان محمد بن يوسف وسار على منوالها الراحل الملك الحسن الثاني،بتنظيمه مسيرة خضراء تم على اثرها استرجاع اقاليم البلاد الصحراوية الجنوبية،ونفسه هو نهج الملك محمد السادس في مسيرة تنمية بشرية منذ عقدين من الزمن.وأما عن نداء الوطن الثاني في مغرب الاستقلال،فذلك الذي ارتبط باستكمال وحدة البلاد الترابية من خلال دبلوماسية مغربية هادئة،حرصت على طرح قضية استرجاع ما ضاع من تراب البلاد خلال فترة الاستعمار.واذا كان أول سفير اسباني قدم أوراق اعتماده للسلطان محمد بن يوسف في يوليوز من عام ألف تسعمائة وستة وخمسين،فإن هذا التاريخ كان بداية مفاوضات بين البلدين حول ملفات عدة منها قضية الصحراء المغربية، حيث قام الراحل الحسن الثاني بزيارة لاسبانيا التقى فيها ب”فرانكو” صيف سنة ألف وتسعمائة وسبعة وستين، وتم الحديث عن مستقبل اقاليم البلاد الصحراوية الجنوبية،في اطار وفق ما يجمع البلدان من مودة وتعاون حسن جوار.تطورات وغيرها انتهت بمطالبة المغرب رسميا باسترجاع ربوعه الترابية في محافل دولية عبر نشاط دبلوماسي كثيف،تكللت بإقدامه على مبادرة وطنية حكيمة كانت بصدى دولي كبير،تلك التي تجلت في تنظيم مسيرة خضراء سلمية الى الصحراء اخترق متطوعوها حدودا وهمية لاستعمار اسباني في سادس نونبر ألف وتسعمائة وخمسة وسبعين.تبين من خلالها للعالم عزم المغرب استرجاع أراضيه،ومن ثمة لاسبانيا التي قبلت بمفاوضات انتهت باتفاقية نونبر من نفس السنة،حيث تم جلاءها عن المنطقة تحت الضغط بتسليمها للسيادة المغربية.وعليه،كان حدث المسيرة الخضراء التاريخية ونداء الوطن هذا من أعظم ملاحم مغرب الاستقلال وفترة سبعينات القرن الماضي.ويسجل أن من أوراش مغرب الاستقلال ايضا ما ارتبط ببداية الألفية الثالثة بمناسبة الذكرى الخمسينية لهذا الحدث،حيث تقرير خمسين سنة من التنمية البشرية وآفاق سنة ألفين وخمسة وعشرين.تقرير بقدر ما استهدف وضع حجر أساس لمشروع تشاركي وفق ما يجب من رأي ومقترح وتأمل ودراسة ونقاش،بقدر ما استهدف تقويماً استرجاعياً لمسار تنمية بشرية منذ استقلال البلاد مع استشراف أفاق هذا الورش.ولعل هذا التقرير كان حصيلة عمل باحثين وخبراء وسياسيين واكاديميين،لتشخيص ما هناك من صعاب وتحديات وسلبيات تخص صناعة القرار كذا مصداقية علاقة بين سلطة ومواطن.وكان هذا التقرير قد توجه بالعناية لتجاوز ما هناك من اختلالات تخص مجالات عدة،من قبيل رهان دمقرطة البلاد كذا ما يتعلق بنموها الاقتصادي وتنميتها البشرية من تعليم وصحة وفقر وبيئة وقضايا هجرة وجالية بالخارج وغيرها.وكان تقرير خمسينية الاستقلال قد تزامن مع تقرير لجنة انصاف ومصالحة،استهدف مسح أخطاء ماض تمثلت في انتهاكات حقوق الانسان منها تلك التي تعلقت بسنوات الرصاص واحداث ماي ألفين وثلاثة وما شابها من خروقات،ويسجل أن مما طبع تقرير الخمسينية هذا كونه بلور مشروعا ديمقراطيا حداثيا،انبنى على مفهوم جديد للسلطة وعلى تشارك في صناعة القرار،عبر آلية لامركزية وسياسة قرب مع اطلاق سلسلة مشاريع ذات طبيعة انمائية.وقد اقتضى هذا الرهان مؤسسات تم إحداثها في هذا الاطار،من قبيل ديوان مظالم ومجلس استشاري لحقوق الانسان وهيئة عليا لاتصال سمعي بصري كذا مجلسا اعلى للحسابات ومعهدا ملكيا للثقافة الامازيغية وغيره.دون نسيان أن هذا التقرير الاستراتيجي الذي طبع العهد الجديد من زمن الاستقلال، استحضر مفهوم الإمكان البشري باعتباره محركا اساسيا للتنمية البشرية بما هو عليه من ديمغرافيا وارث ثقافي مجتمعي،مع أهمية الاشارة الى أنه رغم ما يسجل عليه من نواقص يبقى في تقدير الكثير،وثيقة بقدر كبير من الأهمية في مغرب متصافح مع ذاته وماضيه من اجل مستقبل أفضل.ومن نداءات وملاحم مغرب الاستقلال أيضا نجد ماهو دستوري،ذلك أن البلاد شهدت منذ استقلالها عدة مراجعات دستورية تكريسا لِما عرفته من تحولات.ولعل آخر مراجعة تلك التي ارتبطت بحراك مغربي كان محفزا لاطلاق دينامية مجتمعية جديدة،تفاعلا مع منسوب وعي اجتماعي شعبي بقضايا الشأن العام.وعليه،شكل الخطاب الملكي لتاسع مارس ألفين وأحد عشر أرضية لتعديل دستوري شكلا ومضمونا.وكان ماشهده المغرب إثر هذه البادرة السياسية محط عناية مراقبين،باعتباره حالة استثناء بالمنطقة العربية والمغاربية كتجربة جديرة بالدراسة والتحليل.ورغم تعدد تعديلات المغرب الدستورية منذ الاستفتاء على أول دستور عام ألف وتسعمائة واثنين وستين،يبقى دستور ألفين وأحد عشر الأكثر سعة وعمقا.ذلك أنه اعتبر بشمولية ارتكزت على مكونات أساسية في اطار ثوابت،منها تكريسه لتعدد هوية البلاد الوطنية وترسيخه لدولة حق وقانون ومؤسسات وحريات فردية وجماعية،كذا ارتقاءه بالقضاء الى سلطة مستقلة مع توطيد مبدأ فصل السلط وتعزيز آليات تأطير المواطنين من خلال دورالأحزاب ومكانة المعارضة وفعل المجتمع المدني،فضلاً عن تقوية آليات تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة ودسترة هيئات الحكامة الجيدة وحقوق الانسان وحماية الحريات.ولا شك أن دستور ألفين وأحد عشر رغم ما أحيط به من قراءات،يشكل نقلة ذات أهمية،لِما جاء به من مقتضيات مع ما شكله أيضا من لبنة في مسار انتقال ديمقراطي.فقط ما ينبغي من تسريع لوتيرة اشتغال وترافع لتفعيلها،عبر اشراك فاعلين كل من موقعه لبلورة سياسات عمومية وكسب رهان دولة حق وقانون وتطويرديمقراطية تشاركية،مع ما يمكن أن يسهم به في هذا الاطار فعل مجتمع مدني شريك.بعض فقط مما طبع مغرب الاستقلال من ملاحم ونداءات بمناسبة احتفاء الشعب المغربي بذكرى عيد الاستقلال،الذي يعود احياءه لسنة ألف وتسعمائة وخمسة وخمسين تاريخ عودة السلطان محمد بن يوسف من منفاه.حدث تاريخي يعني نهاية كفاح مرير منذ فرض الحماية على البلاد مطلع القرن الماضي،بعد معارك وطنية ومقاومة مسلحة بجميع جهات البلاد تكللت بانطلاق عمليات حيش التحرير التي عجلت باستقلال البلاد.



عضو مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث

طنجةبريسhttps://tangerpress.com/news-30616.html




شاهد أيضا


تعليقات الزوار