هل يعلن الملك حالة الاستثناء ؟


هل يعلن الملك حالة الاستثناء ؟

 


عبدالقادر زعري


يكاد يحصل شبه إجماع، عن كون المغرب يعيش حالة استثنائية فريدة، لم يسبق أن عاشها في تاريخه السياسي المعاصر، وتوحي بحالة الاستثناء التي عاشها المغرب بين عامي 1965 و1972، ففي كلا الحالتين كان يمكن للقصر أن يحسم الأمور بخطاب ملكي يحدد لكل حزب سياسي مكانه في البرلمان، يمينا أو يسارا أو وسطا،وينتهي البلوكاج، لكن، ولدواعي يتطلبها النظام السياسي، لاستعادة توازنه، يضطر محور ومركز النظام السياسي المغربي، بين الحين والآخر، ترك الأمور كما هي، لرصد أماكن الخلل، وتتبع مواطن الضعف، لاتخاذ ما يلزم من قرارات عادة ما تكون استراتيجية، غير مألوفة وحاسمة.


فيما يلي ننقل لكم مقتطفات من كتاب “نصف قرن من السياسة”، لرجل القصر ومستشار عاشر الملك الراحل عقودا من الزمن، وخدمه في العديد من المناصب والوظائف والمهمات، إنه المرحوم “عبد الهادي بوطالب”. ومن بين ثنايا روايته لظروف وملابسات إعلان حالة الاستثناء عام 1965، من طرف الملك الراحل الحسن الثاني، يمكن أن نستمع إلى حكمة التاريخ وتفسيره لما يجري.


* في 7 يونيو (حزيران) 1965 أعلن الملك الحسن الثاني حالة الاستثناء (حالة الطوارئ) وحل البرلمان، وذلك بعد مرور أكثر من شهرين على أحداث 23 مارس (آذار) .1965 وسبق ذلك انهيار الأغلبية الحكومية في دورة مايو (أيار) التشريعية حينما أقدم حزب الاستقلال على تقديم مقترح قانون لتعديل قانون الصحافة يتضمن عدم السماح للأجانب بإصدار الصحف. وتم التصويت عليه بــ 55 صوتا ضد 22 صوتا. فهل يكون هذا من بين أسباب فرض حالة الاستثناء؟

 

أحداث 1965 كانت من أهم أسباب إعلان حالة الاستثناء


ـ اسمح لي أن أصحح ما جاء في سؤالك عن تسمية حالة الاستثناء حالة طوارئ. الأولى حالة قانونية دستورية لا تُلغَى فيها القوانين ولا يُعطَّل فيها الدستور، بل تبقى فيها بعض المؤسسات الدستورية تعمل، ولكن يتوقف خلالها عمل البرلمان. وقد نص الفصل 35 من الدستور المغربي على شرعية حالة الاستثناء ـ مثله في ذلك الدستور الفرنسي ودساتير أخرى نصت على دستورية حالة الاستثناء ـ أما إعلان حالة الطوارئ فيترتب عليها أحيانا أن تُغيِّر القوانين وتُعطَّل الدساتير وتُعْلَن أحكام مخالفة للقوانين العادية. لذا يُطلَق عليها في بعض النظم حالة الأحكام العرفية أو القانون العرفي وتطبقها خاصة النظم العسكرية أو تأتي إثر حدوث انقلاب ضد النظام. وقد أعلن الملك الحسن الثاني حالة الاستثناء بمقتضى الفصل 35 من الدستور الذي يخوله هذا الحق لأسباب أخرى ارتأى أنها تستدعي تطبيقه.


* ما هي إذن هذه الأسباب؟


ـ الأسباب الحقيقية تكمن في أن الملك نضجت عنده في تلك الفترة فكرة تم الترويج لها من قبل. كان خلالها يرى أن البرلمان يمضي أوقاته في نقاش عقيم ويتعثر سيره في الحسابات السياسية بين الفرقاء داخله.وكان يقول إن المغرب في حاجة إلى نوع من الاستجمام السياسي لتقِلّ حدة هذه النقاشات التي تجري تحت قبة البرلمان. وقد قيل آنذاك إن حصيلة إنجازات البرلمان لم تتجاوز المصادقة على قانون واحد.


لقد قال الملك الحسن الثاني هذا أول الأمر أمامنا ولم ينطق بفرض «حالة الاستثناء». وكنا نفهم أنه ربما كان يريد أن يحل البرلمان، وهذا أيضا من اختصاصاته الدستورية التي ينص عليها الفصل 27، إلى أن أَخبرَنا أنه متوجه إلى إفران (منتجع في الأطلس المتوسط). وأنه سيأخذ فترة للاستجمام. وسيرى ما يمكن أن يتخذ من قرارات. ومما أشار إليه أيضا حاجة المغرب إلى استقرار سياسي، وسلم اجتماعية في مجال الشغل (العمل)، واستقرار نظامه الحزبي بما يبعد البرلمان عن أن يكون فقط ملتقى للنقاش أو ما كان يسميه الملك بــ«الحوار العقيم».


ومكث الملك أسبوعا في إفران. ونودي عليَّ من بين مجموعة من الوزراء للالتحاق به. واستقبلني الملك الحسن الثاني وقال لي بحضور السيد ادريس المحمدي المدير العام للديوان الملكي: «إنني قررت أن أعلن حالة الاستثناء طبقا للدستور».


* وكيف تلقيت القرار الملكي؟


ـ لم أكن مرتاحا لاتخاذ تدبير حالة الاستثناء رغم دستوريته، إذ هو يعني عمليا أننا سندخل في عهد ديكتاتورية وسيَجعَل من النظام المغربي نظاما غير مفهوم وربما غير مقبول من لدن المجتمع الدولي خاصة والتجربة الدستورية ابتدأت متأخرة بعد مرور ست سنوات على إعلان استقلال المغرب وطال انتظاره لها.


إني تربيت في مدرسة الديمقراطية والشورى والبرلمان عندما انتميت منذ صباي إلى الحركة القومية، ثم إلى حزب الشورى والاستقلال. وكنت متحمسا للتجربة البرلمانية، وأرى أن حوارها وجدلها وحتى صَخَبها وضوضاءها ومقاطعة النواب لبعض الجلسات كل ذلك من صميم عمل البرلمان.


صحيح أن بعض جلسات البرلمان لم يحترم فيها بعض النواب وقار المجلس، لكنها كانت التجربة التشريعية الأولى في عهد المغرب المستقل. وكان لا بد أن يمارسها البعض بتصرفات مبالغ فيها أو غير مسؤولة، لكن كل تجربة هي حصيلة تصرفاتها التي لا يمكن أن تكون دائما سليمة من كل نقص. وقلت للملك الحسن الثاني: «لو أن جلالتكم تعودون فتفكرون أكثر مما فكرتم لتعدلوا عن إعلان حالة الاستثناء».


وأشرت إليه بأنه «يمكنكم أن تحلوا البرلمان إذا رأيتم أن تشكيلته الحالية لا تؤدي الغرض المطلوب منها، ولكن لا تسيروا إلى إعلان حالة الاستثناء». فكان جوابه: «الفصل 35 من الدستور يعطيني حالة الاستثناء كما يعطيني الفصل 27 حق حل البرلمان». وزاد يقول: «أريد أن أطبق برنامجي في إصلاح أوضاع المغرب إصلاحا جذريا، وأريد أن أتخلص من حواجز الإجراءات البرلمانية المعقدة ومن المناقشات المضنية داخل البرلمان، ومن تضاربات التصويت وتشاجر النواب.


والبرنامج الذي أعتزم تطبيقه مستعجل التنفيذ وينبغي ألا يلقى في طريقه عراقل، وأن ينجز في أقرب مدى». وقلت لجلالته: «إن الدستور يخول جلالتكم حق حل مجلس النواب بسلطتكم التقديرية. أما حالة الاستثناء فقد أخضعها الفصل الخامس والثلاثون لشروط يجب توفرها. ولذلك أنصح جلالتكم بالاقتصار على حل المجلس».


وكان المحمدي يتابع هذا النقاش ويؤيد بقوة وحماس إعلان حالة الاستثناء. وهو كان لا يخفي أنه لا يؤمن بالديمقراطية ويفضل عليها نظام حكم الملك المباشر بمنتهى الحزم. ومما جاء في حديث الملك عن الإقناع بوجهة نظره قوله: «إن حل مجلس النواب يترتب عليه دستوريا تنظيم انتخابات جديدة أخشى أن تُسفِر نتيجتها عن اختيار نفس البرلمان ونفس الوجوه. أي برلمانا يكرر سلَفه وينتهي هو أيضا إلى الفشل. وأنا أرى أن البلاد في حالة إلى وقفة استجمام».


وبعد تناوُلِنا ـ أنا والمحمدي ـ العشاء على مائدة جلالته أذن للمحمدي بالانصراف وطلب مني أن أبقى معه وسألني: «ماذا يخيفك من حالة الاستثناء؟» فكان جوابي: «إنني ياجلالة الملك أريد أن تبقى شعلة الديمقراطية التي أوقدتموها مُشعَّة، وأن يمتد المناخ الديمقراطي الذي خلقته جلالتكم في البلاد بإعلان الدستور وتقعيد الانتخابات». وزدت قائلا: «إن نظام جلالتكم معروف اليوم عبر العالم ويمكن تحديده من الوجهة الدستورية بأنه نظام ملكي دستوري ديمقراطي واجتماعي كما جاء في الدستور نفسه. وهذا يعطي ورقة تعريف واضحة للمغرب.


أما إذا أُعلِنت حالة الاستثناء فسيكون التساؤل ما هو المغرب؟ وما هُويته؟ وما موقعه بين النظم السياسية ؟ والجواب سيكون: «المغرب في حالة الاستثناء». وأضفت: «إنني أغار على حكم جلالتكم وعلى بلدي من الدخول في حالة استثناء لا تتقيد بأمد مما قد يدخل المغرب في عهد الجمود والتواكل وانعدام المراقبة التي هي من عمل البرلمان. وأنا أريد أن تبقى الجمرة مشتعلة». فكان رده: «إن البلد فيه تعفن وتجاوزات، والسلطة لم تستقر فيه على حال. والحاجة ملحة إلى أن أقوم بواجبي ومسؤوليتي». وكان جلالة الملك مؤمنا بما يقول ويقدم الدليل تلو الدليل على ذلك. وكعادته حينما يؤمن بشيء فإنه يملك قدرة الدفاع عنه والإقناع به.


وأخيرا وضع الملك حدا للنقاش وقال لي: «أنا سأعلن عن حالة الاستثناء بخطاب، فشُدَّ عليك هذه الليلة في البيت الذي أعِدَّ لإقامتك، واكتب لي مشروع خطاب إعلان حالة الاستثناء، واشرح فيه أن حالة الاستثناء لن تكون تجميدا للعمل الديمقراطي لأن المجالس البلدية والقروية ستظل تعمل بل ستكون تدشينا لعهد إصلاحي، وأن دخول المغرب في حالة الاستثناء لا يستهدف إلا أن تتمكن البلاد من تنظيم شؤونها وتنظيف حكمها والعمل بسرعة وتحطيم الحواجز وتحديد المسؤوليات إلى غير ذلك مما يطمح إليه الشعب المغربي». وخرجت من عند الملك الحسن الثاني وتوجهت إلى «الفيلا» التي كنت أقيم فيها في إفران، وكتبت مشروع الخطاب في ساعة متأخرة من المساء يمكنكم أن ترجعوا إليه ويرجع إليه كل من يرغب في الإطلاع عليه. وجاء معبرا عن التحفظات التي أشرت إليها.


ولما قرأته على جلالة الملك في اليوم الموالي قال لي: «لن أغير فيه حرفا واحدا». وبكتابة المشروع وبموافقة جلالة الملك عليه جملة وتفصيلا اقتنعت بأن حل حالة الاستثناء يصلح أن يكون تجربة مؤقتة إذا ما استُغلَّت لتحقيق الطفرة التي كان الملك يتطلع إلى تحقيقها.


* متى تم اللقاء مع الملك الحسن الثاني وتحرير مشروع خطاب الإعلان عن حالة الاستثناء؟


ـ قبل خمسة أيام من إعلانها الذي كان يوم سابع يونيو (حزيران) سنة .1965 والخطاب كان ثوريا والذين قرأوه عرفوا من كتبه. وأنا لم يسبق لي أن قلت «أنا الذي كتبته»، إذ كان معروفا في الدوائر الحكومية ـ التي لا يُحتـفَظ فيها بسر ـ أنني كتبت الخطاب. وأذكر لكم أنه طيلة السنة الأولى من حالة الاستثناء اتخذ جلالة الملك قرارات حازمة أبعد بها في نهج الإصلاح. فقد أمر موظفي الدولة أن يلتزموا بالانضباط وأخذ يباشر الإصلاح الإداري. وجميع هذه التوجهات جاءت في الخطاب.


وكان الملك الحسن الثاني إثر إعلان حالة الاستثناء مدة ما يقرب من شهر يأتي في الساعة الثامنة والنصف إلى وزارة العدل حيث كان مكتبي ليجدني منتظرا جلالته بمدخلها وهو سائقٌ سيارته بنفسه، تتبعه سيارة الأمن وأركب بجانبه في مقدمة السيارة أرافقه بصفتي وزير الإعلام وأغطي إعلاميا نشاطاته يوما بعد يوم. وكنت في هذه الفترة أجمع بين الإعلام والعدل وأنوب عن وزير الخارجية في غيبته، وكان جلالته يطوف على الوزارات ليرى هل رؤساء المكاتب الإدارية موجودون في الوقت المضبوط أم لا.


وكان بهذه الزيارات يسأل المديرين الأعلَيْن عن إنتاج الموظفين، ويحثهم على السرعة في إنجاز مطالب الشعب. وكان جلالته يجد طوائف من الشعب مزدحمة تنتظره على أبواب الوزارات لتقدم له شكاياتها، فيتسلمها أو يأمر من يأخذها ثم يوجهها للديوان الملكي لتُقضَى بسرعة أغراضُها، ويُلبّى في الحين ما يمكن تلبيته منها. وهذا وغيره أحدث رجة في الإدارة وعند عامة الشعب، وفجر وعيا بالمسؤولية لدى الإداريين وحتى الوزراء. إلا أن فترة الاستثناء طالت أكثر مما ينبغي. فقد استمرت خمس سنوات. وكانت سنتاها الأخيرتان متواضعتين، فقد تناقص الحماس لحالة الاستثناء خصوصا وقرارات الملك لم يكن يتابعها المسؤولون عنها كلٌّ في ميدانه لتنفيذها مما أعاد الإدارة إلى تراخيها.


* ما هي أهم القرارات التي أصدرها الملك الحسن الثاني خلال السنة الأولى من تطبيق حالة الاستثناء؟


ـ القرار الأول التي اقتضته دستوريا حالة الاستثناء هو أن الملك أصبح يشرِّع بظهائر (مراسم) ملكية في مجال القانون نظرا لغياب مجلس النواب. وكان الملك الحسن الثاني يعقد مجالس وزارية ومجالس فرعية مصغرة ويترأس لجانا وزارية بوتيرة متسارعة كان الوزراء معها يحصلون على الموافقة الملكية لمشاريعهم. وكان جلالته يأتي في الصباح الباكر للديوان الملكي ليتابع عمل الوزراء. وأصبح القانون المالي يمر في مجلسه وتتم المصادقة عليه بسرعة يُنشَر في الحين في الجريدة الرسمية دونما حاجة إلى 3 أشهر أو 4 أشهر من النقاش البرلماني ومداولات اللجان في البرلمان، ثم على صعيد المجلس.


لقد كان الملك الحسن الثاني يقول: «من أجل هذ أعلنت حالة الاستثناء. إن المغرب متأخر ويجب أن يتدارك التأخير. هناك فجوة بينه وبين ماضيه وثغرات وضياع وقت». ولذلك كان يسمي حالة الاستثناء «حالة التدارك». 




شاهد أيضا
تعليقات الزوار