رسالة موجهة إلى السيد المدير العام للأمن الوطني حول جدوى السدود القضائية ونقاط التفتيش بالمغرب.

طنجةبريسhttps://tangerpress.com/news-57040.html
يُجمع عدد من المؤشرات الدولية على أن المغرب يُعد من البلدان الأكثر أمانًا واستقرارًا على المستويين الإقليمي والدولي،بفضل الجهود الكبيرة التي تبذلها مختلف الأجهزة الأمنية في مواجهة التهديدات بمهنية وفعالية.ومع ذلك،يظل انتشار السدود القضائية ونقاط التفتيش الأمنية عبر ربوع المملكة موضوعًا مثيرًا للنقاش،إذ تتباين المواقف حول جدواها الحقيقية وانعكاساتها المتعددة.
هذه السدود التي يُفترض أن تعزز الأمن وتردع المخالفات،تتحول في كثير من الأحيان إلى عائق أمام انسيابية التنقلات اليومية للمواطنين والمسافرين ، فالتوقف المتكرر وما يرافقه من ضياع الوقت والجهد لا ينعكس دائمًا على تحسين الإحساس العام بالأمن،خاصة وأن الجرائم الكبرى تتم معالجتها عبر مسالك أخرى أكثر مهنية.
تؤكد التجربة أن مواجهة التهديدات المعقدة من إرهاب وجريمة منظمة تتولاها أجهزة متخصصة ذات خبرة وكفاءة عالية، مثل المكتب المركزي للأبحاث القضائية والفرقة الوطنية للشرطة القضائية والمصالح الولائية والإقليمية ومصالح الامن العمومي المختلفة، هذه الأجهزة تعتمد على آليات دقيقة وتقنيات حديثة أثبتت فعاليتها في تعزيز الأمن العام وحماية النظام وحماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم.
ومن الملاحظ كذلك أن السدود القضائية ليست ممارسة شائعة في الدول الأوروبية ولا في العديد من الدول العربية ولا في دول الخليج، ومع ذلك، فإن مجرد وقوع حادث أو جريمة في تلك البلدان كفيل بوضع مختلف الأجهزة الأمنية في حالة استنفار قصوى للتعامل مع التحديات الأمنية المتغيرة، وهو ما يعكس اعتماد هذه الدول على استراتيجيات مرنة وفعّالة بدل الاعتماد على إجراءات ثابتة قد تكون محدودة الجدوى.
إلى جانب الأثر المباشر على المواطنين،يترك الانتشار الواسع للسدود القضائية انطباعًا سلبيًا لدى الزوار الأجانب،فبدل أن تمنحهم شعورًا بالطمأنينة، قد تثير لديهم القلق والتوجس من طبيعة الوضع الأمني بالمغرب،وهو ما قد يؤثر سلبًا على صورة البلاد كوجهة سياحية آمنة ومريحة،خصوصًا في ظل التنافس العالمي في هذا القطاع الحيوي.
كما أن الموظفين المكلّفين بالعمل في هذه السدود يعيشون ضغوطًا متزايدة نتيجة طول سنوات الخدمة في نفس المهام، وما يترتب عن ذلك من شعور بالإحباط والإرهاق النفسي والجسدي حيث أن طول ساعات الوقوف تؤثر على الحافزية وجودة الأداء، مما يستدعي التفكير في تحسين ظروف العمل وتخفيف العبء على الموارد البشرية.
إن التجارب الحديثة في مجال الأمن أثبتت أن الاستثمار في التكنولوجيا يحقق نتائج أفضل بكثير من الاعتماد على الأساليب التقليدية ، فالكاميرات الذكية وأنظمة المراقبة الإلكترونية وتحليل البيانات في الزمن الحقيقي قادرة على رصد التهديدات والتدخل بشكل أكثر سرعة وفعالية ، كما أن تطوير مهارات الموارد البشرية وتعزيز التنسيق بين مختلف الأجهزة يمكن أن يشكل بديلاً استراتيجياً أكثر نجاعة، ويمكننا وضع كاميرات مراقبة ذكية في أماكن السدود القضائية الحالية، حيث ان اغلب المدن تتوفر على خمس مداخل او اقل ،قادرة على رصد السيارات المسروقة والمشبوهة، والتصدي لها بطريقة احترافية من طرف مختلف الوحدات الأمنية العاملة بالقطاع.
إذا كان المغرب قد فاز بتنظيم كأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، بالإضافة إلى بعض كؤوس العالم الخاصة بالشباب والنساء، وربما كأس العالم للأندية سنة 2029،فإن السدود القضائية قد لا تكون صالحة للمغرب في المستقبل القريب.
الاستضافة الناجحة لهذه الأحداث الرياضية الكبرى تتطلب تركيزًا على تقديم تجربة سياحية ممتازة للزوار،والسدود القضائية قد تعيق هذه التجربة، كما أن الصورة العامة للمغرب كوجهة آمنة ومستقرة ستكون مهمة جدًا لجذب الزوار والمستثمرين، حيث بات من الأفضل أن يتم النظر في استراتيجيات أمنية بديلة تكون أكثر فعالية ومراعاة لاحتياجات الزوار والمستثمرين،مثل استخدام التكنولوجيا والأساليب الذكية لتعزيز الأمن ، وهي الاستراتيجية الامنية التي وضعتها المديرية العامة للأمن الوطني بشراكة مع مختلف الفاعلين في قضايا الامن، وهنا تبدو فكرة استبدال السدود القضائية بنظام أمني ذكي يعتمد على التكنولوجيا مثل كاميرات المراقبة والتحليلات الأمنية في مداخل المدن كمرحلة أولية، قبل تعميمها بمختلف المحاور والشوارع والاحياء لمراقبة الوضع الامني،وهي الفرصة التي من خلالها يمكن تعزيز التعاون بين الأجهزة الأمنية لتحسين الاستجابة للتهديدات الأمنية،بالإضافة الى التركيز على تأمين الملاعب والمنشآت الرياضية والزوار خلال الأحداث الرياضية الكبرى،والعمل على تقديم تجربة سياحية ممتازة للزوار من خلال تسهيل إجراءات السفر والتنقل،وتعزيز الصورة العامة للمغرب كوجهة آمنة ومستقرة لجذب الزوار والمستثمرين.
إن استمرار الاعتماد على السدود القضائية في صيغتها الحالية يطرح إشكالات حقيقية تتعلق بجدواها مقارنة بالكلفة البشرية والمادية،ويبدو أن المرحلة تقتضي إعادة تقييم شاملة لهذه الممارسة – بعد العمل بالسدود القضائية لاكثر من 12 سنة – في ضوء الواقع الأمني المستقر،مع التفكير في مقاربات أكثر عصرية وفعالية،بذلك يمكن للمغرب أن يحافظ على مكانته كدولة آمنة،وأن يضمن في الوقت ذاته انسيابية الحياة اليومية للمواطنين، وجودة التجربة السياحية للزوار،وظروف عمل لائقة للعناصر الأمنية المكلفة بمهام حماية الوطن والمواطنين، من خلال توظيف فعال لمختلف الموارد البشرية التي تشتغل بالسدود القضائية.
في ختام هذه الرسالة، أود أن أرفع إلى سيادتكم،بكل احترام وتقدير،ما يواجهه رجال الأمن الأوفياء،من كبار المسؤولين وصغارهم،من تحديات جمة تتمثل في بعض “السدود القضائية” التي تعيق جهودهم النبيلة في حفظ أمن الوطن والمواطن.إن هذه العقبات لا تؤثر فقط على كفاءة الأداء،بل تمثل عائقاً أمام تحقيق رؤيتنا المشتركة لمستقبل آمن ومستقر،وهو ما يثقل كاهلهم ويحد من قدراتهم على أداء واجبهم على أكمل وجه.
لذا، نلتمس من سيادتكم،وبكل ثقة في حكمتكم وبعد نظركم،اتخاذ القرارات الجريئة واللازمة لإزالة هذه المعوقات،بما يمكننا من توظيف موارد بكفاءة قصوى تعود بالنفع العميم على المواطنين،وتعزز شعورهم بالأمن والطمأنينة.إن هذه الخطوة ليست مجرد إجراء إداري،بل هي استثمار حيوي في مستقبل وطننا وضمان لسلامة مجتمعاتنا،وإننا على يقين بأن وضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار،والعمل المشترك، سيقودنا نحو تحقيق الأمان والاستقرار المنشود.
إن معالجة هذه التحديات سيعزز بلا شك من معنويات رجال الأمن،ويزيد من فعالية استجابتهم للمخاطر المتجددة،مما ينعكس إيجاباً على ثقة المواطن في أجهزته الأمنية.فتمكين هؤلاء الأبطال من أداء مهامهم دون قيود غير ضرورية هو السبيل الأمثل لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار،وتحقيق الرضا العام الذي نسعى إليه جميعاً.
إن إيماننا الراسخ بقدرتكم على فهم المرحلة الحالية،وفهمكم العميق لمتطلباتها،يجعلنا على ثقة تامة بأن هذه التحديات ستتحول إلى فرص لتعزيز منظومتنا الأمنية،إننا نتطلع إلى دعمكم وتوجيهاتكم التي ستمهد الطريق أمام مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً لوطننا الحبيب.
مع خالص الشكر والتقدير والاحترام.
أحمد خولالي أكزناي مدير موقع طنجة بريس



