ليس دفاعا عن عبد الوافي لفتيت بقدر ما هو دفاع عن منطق الدولة واستمراريتها

هل يعفينا التزامه بواجب التحفظ كوزير للسيادة من التدخل للدفاع عن مواطن مغربي تنهال عليه السياط من كل حدب وصوب؟
وهل لأن مهمته فرضت عليه النأي عن “شراء” المواقع من أجل تلميع الصورة كما يفعل غيره وهم كثر؟
في السياق السياسي المغربي، يصبح من الضروري التمييز بين النقد المشروع والاستهداف الموجه.فليس كل ما يُقال في الفضاء العام يدخل ضمن حرية التعبير،كما أن ليس كل مسؤول عمومي موضوعا للاتهام بمجرد ارتفاع منسوب الجدل حوله.
ليس دفاعا عن عبد الوافي لفتيت بقدر ما هو دفاع عن منطق الدولة واستمراريتها.فالرجل، بحكم موقعه،يتحمل مسؤوليات ثقيلة في واحدة من أكثر الوزارات حساسية، حيث تتقاطع رهانات الأمن، والاستقرار، والتنظيم الترابي، والإشراف على الاستحقاقات الانتخابية.وهذه مهام لا تقاس بمنطق الشعبوية أو ردود الفعل الآنية،بل بمنطق الدولة العميق الذي يشتغل في صمت ويخضع للتقييم بالنتائج والأهداف.
إن الهجمات التي تستهدف لفتيت اليوم،وفي هذا التوقيت بالذات،تطرح أكثر من علامة استفهام.فالمغرب مقبل على محطة سياسية مهمة في أفق 2026،تتطلب تعبئة مؤسساتية وثقة جماعية في قواعد اللعبة الديمقراطية.لكن عندما يتحول النقاش من نقد السياسات إلى استهداف الأشخاص،فإننا لا نكون أمام ممارسة ديمقراطية سليمة، بل أمام محاولة للتأثير على التوازنات وخلق مناخ من الشك.
ولعل ما يعزز فرضية الاستهداف الممنهج،أن الحملة التي تطال عبد الوافي لفتيت اليوم،ليست معزولة أو طارئة، بل لها سوابق واضحة في مساره الإداري. فقد سبق أن تعرض لانتقادات حادة من طرف جريدة التجديد،الناطقة باسم حزب العدالة والتنمية،خلال فترة توليه مهام والي جهة الرباط. يومها أيضا، لم يكن النقاش محصورا في تقييم قرارات أو سياسات محددة، بقدر ما اتخذ طابعا تصعيديا استهدف شخص الرجل وخياراته في تدبير الشأن المحلي باعتباره وهذا هو وصف الصحيفة ” أحد خدام الدولة”. وهو ما يكشف أن ما نراه اليوم ليس سوى امتداد لنمط متكرر من التعامل مع بعض رموز الدولة، حيث يتم الانتقال من النقد إلى الاستهداف، ومن الاختلاف إلى التشكيك.
إلى ذلك، لا يمكن فصل هذا النقاش عن طبيعة النظام الدستوري المغربي، حيث تشكل المؤسسة الملكية الضامن الأساسي لاستقرار البلاد واستمرارية الدولة. في هذا الإطار، فإن تعيين المسؤولين في مواقع استراتيجية يتم ضمن رؤية شمولية يقودها جلالة الملك محمد السادس، تأخذ بعين الاعتبار الكفاءة، والتجربة، ومصلحة الوطن العليا. ومن ثم، فإن الطعن غير المؤسس في هذه الاختيارات لا يسيء إلى الأشخاص فقط، بل يطال بشكل غير مباشر الثقة في المؤسسات.
ولعل ما يثير سعار البعض هو تكليف لفتيت بالإشراف على انتخابات 2026 وليس رئيس الحكومة. هذا وحده يكفي لفهم أسباب التطاول على الشخص.
شخصيا، من واجب الطاعة والولاء والبيعة، أخجل، حتى في السر، من معاكسة اختيارات مليكي.
هذا لا يعني، بأي حال من الأحوال، أن المسؤولين فوق النقد أو المساءلة. على العكس، فالديمقراطية الحقيقية تقوم على النقد البناء، وعلى ربط المسؤولية بالمحاسبة. لكن هناك فرق جوهري بين نقد يستند إلى معطيات وحجج، ويسعى إلى الإصلاح، وبين خطاب يقوم على التبخيس والتشكيك دون سند، ويخدم، بوعي أو بدونه، أجندات لا علاقة لها بالمصلحة العامة.
إن المرحلة التي يمر منها المغرب اليوم تقتضي قدرا أكبر من النضج السياسي. فالتحديات،داخليا وخارجيا، لا تُواجه بإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة، بل بتقويتها، عبر نقاش مسؤول يوازن بين الحق في الاختلاف وواجب الحفاظ على الاستقرار.
في النهاية،قد نختلف حول السياسات،وقد ننتقد أداء المسؤولين، لكن ما لا ينبغي أن نختلف حوله هو ضرورة صون هيبة الدولة، والحفاظ على منسوب الثقة في مؤسساتها.لأن الدول لا تبنى بالضجيج، بل تبنى بالتراكم، وبالوعي الجماعي بأن الاستقرار ليس معطى دائما،بل مسؤولية مشتركة.
وما عرفت عن لفتيت عندما كان عاملا على عمالة الفحص بني مكادة،سوى الاستقامة والنزاهة والتواضع،وبالتالي،لا يمكنني أبدا الصمت عن محاولات جلد مواطن،قبل أن يكون وزيرا.



