“تارجيست” أميرة الريف المنسية…

“تارجيست” أميرة الريف المنسية…

 


في حديثنا عن هذه المدينة المنسية لسنا نتحدث عن هيروشيما ولا عن بنغازي ولاالقلوجة ولا حتى عن منطقة منكوبة ضربها الزلزال أو اجتاحتها كارثة طبيعية أخرى؛ بل إننا نتحدث عن مدينة تقبع وسط جبال الريف ضربها النسيان ونال منها الفساد وأنهكتها سنوات التهميش وعمت السيبة مختلف مؤسساتها واستشرى الهوان في جسدها.
قد يُخيل للمار بمحاذاة “تارجيست” أنه عريس؛ فهي بنهودها العالية و ثوبها الأبيض تبدو كعروس جمالها يغنيك عن مغالبة إملاءات النفس و ينسيك أحيانا التحري في ماضي و حاضر هذه الأنثى القابعة بقلب جبال الريف وحاضرة قبيلة صنهاجة السراير التي تعد أهم قبيلة بإقليم الحسيمة من حيث المساحة وتعداد السكان -أكثر من 15000 نسمة- إلى جانب قبيلة آيت ورياغل.
تتراءى لك ترجيست من بعيد كأميرة يعلو رأسها تاج من الجبال الشامخة التي تتوسطها خضرة غابات الأرز تارة وبياض الثلج تارة أخرى، و تزيدها زرقة سد الجمعة الذي يخترق خصرها الأيسر جمالية وسحرا، و تحلق بك تجليات الهدوء التي يوحي بها المكان الى سماء الارتياح النفسي، و تداعب جمالية اللوحة مقلتيك ويقبل نسيمها البارد وجنتيك ويرسم فوقهما حمرة ملفتة؛ فتغوص مخيلتك في عمق الرسم الإلهي الجميل، وما أن يدغدغ الهدوء دواخلك ويرخي الفضول بظلاله عليك حتى توقظك أول حفرة بالمدينة من وردي أحلامك فيتوالى السقوط المتكرر للحافلة بالحفر التي وزعت على مختلف وكافة الطرقات بما فيه وسط المدينة، وما تفتأ تستيقظ من حلمك وتخطو الخطوات الأولى بداخل لوحتك التي رسمتها سلفا في مخيلتك بأقلام إحساسك وفرشاة بصرك لتتكسر تلك الصورة المزيفة على صخرة عدسة الواقع، وسرعان ما يتبدد سحر الطبيعة وينجلي جمال الصورة الكاذب أمام صور قصف آليات الحفر وجرافات سياسات التهميش ومشاهد نيران السيبة والنهب والسلب و الجمود؛ حيث اللون الأسود يطغى على مشهد المدينة والاحتجاج الصامت يكسر الهدوء الزائف وبراكين الغضب تشتعل بداخل من لا يزال يملك قلبا وإحساسا صادقا تجاه أميرة الريف.
ما إن تحط قدميك بقلب عروس الريف حتى ينتابك إحساس غريب؛ فالمدينة التي كانت تتراءى لك من بعيد ليست كما خيل لك؛ شيء ما غير طبيعي بهذه المدينة، تحاول أن تتحسس وجوه أناسها من المارين أمامك لعلك تجد على محياهم إجابة لكن لا تبصر عيناك سوى عقولا شاردة ووجوها سمحة وأخرى بريئة تعكس طيبة سكان هذه المدينة الذين يستقبلونك بابتسامتهم المعهودة، وبعد أن تقوم بجولة تفقدية يتبين لك وبالملموس بأن بلدتنا هذه أشبه بالقرية منها بالمدينة حيث طاعون الحفر المترامية أتى على مجمل الطرقات، ومركز المدينة عبارة عن تجزئة سكنية خاوية على عروشها؛ كما أن عدد المقاهي والفنادق يفوق بكثير حجم هذه المدينة مما يطرح علامات استفهام كثيرة؟ ومع بعض التحري يتضح لنا بأن المقاهي ومقاهي الأنترنت هي أغلب الأماكن التي يقضي فيها شباب المنطقة العاطل وقته؛ يحتسي كأس القوة والشاي أو يداعب سجائر المخدرات أويلهي نفسه بأفلام أو مبارايات كرة القدم، وهكذا يمضون وقتهم ….؛ فأزيد من 15 ألف نسمة من الساكنة لا تتوفر سوى على ملعب يتيم كما أن المدينة تفتقر لأبسط مقومات الحياة الثقافية من دور الثقافة وملاعب القرب ومركبات رياضية ومراكز للتكوين المهني.
المدينة أنعم الله عليها بنسيم عليل وهواء صحي وماء عذب ومناظر تسحر الوجدان بالإضافة الى إرث تاريخي غني ومؤهلات طبيعية هامة كغابة –تيزي فري- التي لو تم إيلاؤها بعض الاهتمام والعناية لأضحت وجهة سياحية لسكان إقليم الحسيمة وباقي المدن لما تزخر به من مناظر وثروات طبيعية تأسر قلب زائرها الذي يمني نفسه بمعاودة الزيارة.
فالحديث عن تارجيست هو حديث عن مدينة خاصة : تفاصيل حكايتها لا تنتهي، ومأساتها لا يدركها إلا من ترعرع فيها وشب بين أزقتها وشوارعها، وسبر حياة أهلها ومسيريها، فليس الصحفي البارع في البيان أو الكاتب صاحب الأسلوب البديع قادر على أن يشخص حالها مهما أوتي من قوة البيان، ولن ينبئك بحالها مثل خبير مجرب ولو كان أميا جاهلا لا يعرف ما القراءة ولا الكتابة.

 


كثر الهدم في هذه المدينة وتعددت وسائله، وقاومت المدينة الأبية وصمدت طويلا، لكنها في نهاية المطاف قوضت أركانها واقتلعت جذورها فلم يكن للمدينة اليتيمة إلا أن تستسلم لأمرها المحتوم الذي قضي عليها وقدر، وآلامها تتضخم يوما بعد يوم، وجراحها غويرة، رسمت العقليات المتولية أمر المدينة خدوشا عصية على الاستيعاب،نهب … رشوة… ظلم … حصار … فقر مدقع … جرائم … سرقة … خمور … مخدرات … دعارة … ، واقع خاص من طراز آخر جعل المدينة تفقد كل شيء من أبسط أولويات ومقومات الحياة، لم تعد مدينة –وهي في الأصل مدينة أشبه بقرية-بل هي سجن معنوي ومقبرة لمن بقي من أهلها على قيد الحياة، ومن أهلها من اختار الهجرة من أجل حياة كريمة، ومنهم من آثرها سجنا ومقبرة له، مقبرة للجميع للصغير والكبير والشيخ والشاب والرجل والمرأة، والأمي والجاهل والعالم والمبدع ، فمن رأى منكم مدينة صارت مقبرة للأحياء تولى عملية الدفن ناهبوها؟
فالمدينة أحسن الله عزاءها :ستُنفذ مخزونها … شُرد أهلها … هُجر شبابها … فسدت أرضها … مُر المقام بها … تحملت وصبرت…صرخت … نادت … ولا مجيب، بله ولا سامع، لا حياة لمن تنادي.
ففي غياب مجتمع مدني يؤمل منه تفعيل دور المساءلة و المحاسبة والمراقبة وجد المسؤولون والساهرون على تدبير الشأن المحلي فرصتهم للاغتناء على حساب معاناة السكان وراكموا ثرواتهم على حساب التنمية و انشغلوا بتصفية حسابات سياسية ضيقة عوض الالتفات لانتظارات وتطلعات الساكنة التي شد كثير منها الرحال نحو كل من طنجة وتطوان وفاس بحثا عن آفاق أفضل لأبنائهم و هاربين من طاعون الركود الاقتصادي الذي أصاب تجارتهم بالكساد في السنتين الأخيرتين؛ وفارين من المستنقع الذي بدأت تغرق فيه المنطقة حيث تفشت البطالة بشكل مهول في صفوف الشباب لغياب مشاريع أو استثمارات بإمكانها خلق فرص شغل حقيقية لهم ليصبحوا عالة على المجتمع وأسرهم، ناهيك عن افتقار المدينة لمركز التكوين المهني ومؤسسات و مركبات ثقافية ورياضية لكسر الجمود الثقافي والتربوي الذي باتت تترنح على إيقاعه المدينة؛ وتدهور البنيات التحتية والصراع السياسي لأعضاء المجلس البلدي وتداعياته على جميع المجالات.
زد على ذلك تدني الخدمات الصحية ونقص الأطر الطبية وشبه الطبية بالمستشفى المحلي بترجيست و تفشي الرشوة والمحسوبية والزبونية والبيروقراطية بين أروقة هذا المرفق العمومي، ورغم تدشينه يوم 27 يوليوز 2008 من طرف جلالة الملك شخصيا إلا أن هذا المستشفى خيب آمال وانتظارات سكان مدينة تارجيست وباقي الجماعات المجاورة لها البالغ عددها 13 جماعة قروية نتيجة الوضعية الكارثية التي يعيشها، كما أن اغلب الحالات يتم توجيهها إلى مستشفى محمد الخامس بالحسيمة . على الرغم من المجهودات المبذولة من طرف وزارة الصحة بالمنطقة في مجال تطوير البنية التحتية وتحسين الولوج للخدمات الصحية؛ إلا أنه يمكن تسجيل نقص وخصاص سواء فيما يتعلق بالمصالح الاستشفائية أو المؤسسات الصحية الأساسية فالمستشفى المحلي بتارجيست رغم الآمال المعلقة عليه في تقديم خدمات صحية استشفائية في مستوى تطلعات الساكنة إلا أن مجموعة من المعيقات تحول دون تحقيق ذالك حيث:
– الغياب المتكرر للأطر الطبية المختصة مما يؤثر بشكل سلبي على تقديم الخدمات الصحية و قلة الأطر الطبية والتمريضية الكافية لضمان السير العادي بالمؤسسة و قلة المولدات والأطر الإدارية، ناهيك عن المزاجية في التسيير الإداري وطغيان المحسوبية، ووجود بعض السلوكيات غير الأخلاقية. أما بالنسبة للمؤسسات الصحية الأساسية فيمكن تسجيل : قلة الأطر الطبية والتمريضية بالمراكز الصحية و قلة الأدوية وغياب عيادة جراحة الأسنان بالمنطقة ككل، زد على ذلك غياب مركز لتصفية الدم بالمنطقة.
كما أن المدينة تفتقر لعدة مؤسسات بإماكنها توفير الوقت والمال والجهد على سكان دائرة ترجيست كمصلحة الضرائب ومركز تسجيل السيارات؛ حيث يتحمل المواطن البسيط عناء السفر إلى مدينة الحسيمة وربما المبيت فيها من أجل قضاء غرض إداري بسيط، فأين نحن من تقريب الإدارة بالمواطن .
وأمام هذا الوضع المزري لم يجد الغيورون من شباب المنطقة سوى التكتل في حركة أطلقوا عليها اسم حركة متابعة الشأن المحلي بتارجيست والنواحي من أجل التغيير خرجت في 4 وقفات نددت فيها بالحيف والتهميش الذي تعرفه المنطقة و بتدنى الخدمات الصحية و تدهور البنيات التحتية وبحالة الشلل التي يعرفها المجلس البلدي، ونادت بتفعيل و إخراج المشاريع الملكية المعلقة التي أعطى انطلاقتها جلالة الملك سنة 2007 والتي رصد لها غلاف مالي يقدر ب 115 مليون درهم، وكان البرنامج يمتد على مدى ثلاث سنوات (2007 /2009)، وينفذ في إطار شراكة بين وكالة تنمية أقاليم الشمال ( 10 ملايين درهم) والمديرية العامة للجماعات المحلية (67 مليون درهم) ووزارة الإسكان والتعمير (20 مليون درهم)، وصندوق التجهيز الجماعي 10ملايين درهم)، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية (8 ملايين درهم(، ويتعلق الأمر ببناء محطة طرقية؛ ؛ وإعادة هيكلة الأحياء ناقصة التجهيز؛ وبناء سوق يومي؛ وتهييء منطقة ذات أنشطة اقتصادية؛ وترميم المآثر التاريخية؛ وتهييء ساحتين عموميتين؛ وكورنيش سد الجمعة؛ وفضاءات للأطفال ومساحات خضراء ومركز للتكوين المهني.
وها هي ذي سبع سنوات مضت وانقضت ولا من يشفي غليل السائل ولا من يكسر علامة الاستفهام الكبيرة التي تعلو فوق رأسه، ولا من يخرج هذه المشاريع التي من شأنها أن توقف نزيف الهجرة الذي تشهده المدينة مؤخرا وترسم إبتسامة على محيا السكان وتشكل دفعة معنوية للمنطقة وترفع نسبيا بعض الحيف والتهميش الذي عاشته المدينة ردحا من الزمن.
فجميع من التقتهم دليل الريف أجمعوا على أن واقع اليوم لا يسر أبدا وعبروا عن سخطهم تجاهه وحملوا المجلس البلدي مكتبا مسيرا و معارضة مسؤولية ما آلت اليه الأوضاع بالمدينة.فحتى لجان وزارة االداخلية ولجان المجلس الجهوي الأعلى للحسابات التي عول عليها السكان وعلى تقاريرها لفضح التجاوزات و كشف ملفات الفساد التي أزكمت رائتحها الأنوف؛ لم يخرج عن الشكل الصوري و الشكلي المعتاد المتمثل في رفع التقارير وأرشفتها حتى باتت الساكنة تتساءل عن دورهم الفعلي و عن مناسبة الزيارة وما إن كان هنالك تواطؤ و تستر على فضائح وخروقات ومشاهد نهب المال العام التي صارت تعاين بالعين المجردة ولا حاجة لتدقيق الخبراء ولا لزيارة هكذا لجان لإثباتها. فإلى متى سيظل طاووس الفساد ينفخ ريشه بالمدينة وإلى متى سيظل المسؤولون يغضون الطرف عن التجاوزات و التهميش الذي تعرفه منطقة ترجيست؟




شاهد أيضا
تعليقات الزوار