الجنسية الإسبانية بين إنصاف يهود “سيفارديم” وحرمان حق المسلمين القديم

الجنسية الإسبانية بين إنصاف يهود “سيفارديم” وحرمان حق المسلمين القديم
ذ. محمد بدران/ خاص جريدة طنجة بريس
لا يختلف عاقلان حول القساوة والوحشية والعناء التي تعرض لها المسلمون واليهود بإسبانيا في القرون الوسطى على السواء، والتي ما زالت مرسومة على صفحات التاريخ منذ سنة 1492 في صورة نكبة لا ذكرى لها ولا عزاء.
عُذّبوا وقُتلوا وشُرّدوا وأُكْرِهوا على اعتناق المسيحية قبل عملية التهجير من الأندلس بصفة جماعية ،بقرار بتاريخ 31 مارس 1492 دامت مدته أربعة أشهر صدر من طرف ملوك الكاثوليك باسبانيا(إيزابيل إيري دي كاستييْ وفردينو الثاني داراغون) كشريك والمعروف باسم “مرسوم الحمراء” والقاضي بمغادرة المسلمين واليهود من ممالك (قشتالة و أراغون) وأراضيها وممتلكاتها الغراء.
لم يكن قانون الطرد الثاني في القرن السابع عشر الذي طبقه الملك فيليب الثالث أرحم هو الآخر والذي ذهب ضحيته 350.000 شخصا وأكثر، طردوا إلى شمال إفريقيا والتي تصل أعدادهم بالمغرب اليوم إلى ما يقرب من 5 ملايين موريسكيا،وملايين أخرى تعيش بالجزائر وليبيا وموريطانيا وتونس وتركيا.
مرت على هذه الذاكرة المنسية قرون وسنوات وتعاقبت على كرسي الزعامة الحكومات تلو الحكومات ،ولم تحِن بعد مرحلة تأنيب الضمير والاعتراف بالخطأ التاريخي الكبير ،في حق من صنعوا من اسبانيا يوما ما قاعدة الحضارة الإنسانية ،وقبلة المعارف والعلوم وفن الهندسة المعمارية، لما كانت أوروبا ما زال يعشش في ليلها الظلام والغيوم وتخر في نومها العميق سابع نوم.لم يكن طرد الموريسكيين صائبا ولا الانتقام من المسلمين بتلك المجازر اللاإنسانية بعين الصواب بل هدم للأخلاق الإنسانية وخراب،ويبقى الواجب الأخلاقي والإنساني والسياسي جمرة من نار على سراب تكتوي به أيادٍ ما زالت من حرارة الظلم تفور، وبصمة عار على جبين حكامها وحكوماتها على مدى العصور.
يؤسفني كثيرا أن أرى من وقت لآخر بعض التشريعات المحتشمة التي تطل علينا من قبة البرلمان الإسباني من حين لآخر مستسلمة ،لحلحلة هذه القضية الشائكة بأسلوب انحيازي وبعدم إنصاف وتبصّر وحكمة.بين الفئة والحين يرجحون كفة اليسار على كفة اليمين وينصفون مظلمة اليهود على مظالم المسلمين،وهذا في اعتقادي ظلم يعيد طعن الذاكرة مرتين التي لم تندمل جروحها بعد إلى يوم الدين.عظيم أن تفتح حكومات إسبانية هذا الملف وتنصف ضحاياه بمرة، لكن من الغباوة السياسية والإعاقة الفكرية أن تقدم هذه الحكومة على التصالح مع طائفة واحدة دون الأخرى.أو تعتبر جهة كبرى تستحق التكريم والاعتذار والثانية مصيرها الحرمان والإنكار.وهذا بالضبط ما أقدمت عليه الحكومة الإسبانية منذ سنة 1988 بإعطاء حق المواطنة لأحفاد يهود “سيفارديم” وإهمال أحفاد الموريسكيين من هذا التكريم.على الرغم من أنهما في الحق التاريخي القانوني والسياسي الأمور مختلطة ومشروكة،سارت حكومة (فيليب كونزاليز) على التيار الانفصالي وانحازت إلى الخطط المحبوكة .وسعت بتغيير القانون المدني ليتمتع اليهود بحق هذه المواطنة بعد سنتين فقط من تواجدهم على التراب الإسباني،لم تفلح حكومة (خوسي رودريغيز زاباتيرو) الاشتراكية سنة 2009 في تجاهل هذا القانون الإنساني وسرعان ما أعادته حكومة (ماريانو راخوي) المحافظة وأطفت علية الشرعية والمصداقية بموقف علني ثاني .ففي يوم 22 نونبر الماضي أعلن وزير العدل “ألبرتو رويز غالاردون ” وأكدده وزير الشؤون الخارجية “جوسي مانويل غارسيا مارغالو” بنفس التصريح والقول ،بطريق الموافقة بالسخاء على منح حق الحصول على الجنسية الإسبانية لأحفاد يهود سفارديم بناء على ذلك الانتماء . وصلت فيه لائحة الأسماء العائلية اليهودية المتعرّف عليها أكثر من 5000 اسم لطوائف وعشائر،ومقياس تعلم اللغة الإسبانية أو النسب المباشر. وقد تصل أعداد المستفيدين من هذا المرسوم إلى 3000.000 يهودي (أكثر من 45.000 يتواجدون بإسبانيا و ما يفوق 250.000 أغلبيتهم يعيشون بإسرائيل اليوم،والولايات المتحدة الأمريكية وبلجيكا واليونان وفرنسا وتركيا،كما أن هناك أعداد كبيرة بأمريكا اللاتينية ،خاصة الأرجنتين البرازيل الشيلي والمكسيك وفينيزويلا من بقية هذه الجالية.
لعل دوافع الأزمة الاقتصادية الحالية التي تمر بها إسبانيا حسب بعض المتتبعين للأحداث السياسية الدولية ، دفع بحكومتها الجديدة أن تصرح بتسليم رخص الإقامة لكل أجنبي يشتري منزلا بأكثر من 160.000 أورو للتجارة أو الإقامة ،بغية تشجيع الاستثمار لإنقاذ اقتصادها وعلى رأسها سوق العقار المنهار.في حين أن قرار الجنسية الفورية لليهود دون المسلمين لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال قرار رزين ،ولا يمكن معادلته أو مقارنته فقط بخطوة اعترافها بدولة فلسطين ،ومن البديهي أنّ تغاضي طرفها عن أحفاد الموريسكيين سيحرم اقتصادها المترنح من الاستثمارات العربية والإسلامية في الحين والتي هي اليوم في أمسّ الحاجة إليها أكثر من أي وقت مضى بكل تأكيد ويقين.
فالتاريخ لا يمكن تلفيقه أو التلاعب به لتغطية ما تبقى في إرث الضحايا من الأشلاء ،ومن الهراء على الحكومة الإسبانية أن تطمس ملفات مملوءة بدماء أبرياء،تلك البصمات التي كتبت سطور هذه الحقب التاريخية ووصفت كل جرائم الحرب ضد مسلمي الأندلس من طرف الصليبيين الفرنسيين والإنجليز والأوروبيين والبابوية.فإن كانت شمس الزمان قد غابت بالأمس على أحيائهم ودروبهم ،وغطت ظلمة الجور التي مرت عبر القرون متلفة كل حقوقهم وأملاكهم وتراثهم،فلن يستسلم اليوم ضمير أحفادهم لضياع ذلك الحق المتين .ولن يستكينوا إلا بحق عودة الجميع وإحياء روح الأنس،في تربة الاعتذار باسم الأجداد وإمكانية ترميم الذاكرة الدفينة بالتعويض والاعتراف بدروب ومساكن الأمس.



