لن ننساك أخي محمد مكروم الطالبي ، روحك هنا ،وجسدك هناك

 حتى لاننسى :حفل تأبين الأستاذ  محمد مكروم الطالبي بطنجة

احتضنت قاعة سفيرو أوشووا  بالمعهد الإسباني بطنجة مساء يوم  15 شتنبر 2012 حفل تابين الأستاذ الكبير محمد مكروم الطالبي من طرف نخبة من أصدقائة ومحبيه ممثلين  في مجموعة من الأفراد والمؤسسات التي كان للمرحوم صلة وصل دائم معها. حيث افتتح الحفل بعرض شريط  وثائقي عن حياة الفقيد من إعداد بعض الأصدقاء، وقد تناوب  على أخذ الكلمة عدد من الشخصيات والفاعلين الذين ارتبطوا مع المرحوم بعلاقة عمل أو نشاط فني وعمل ثقافي أو تربوي،   كان من بينهم  النائب الإقليمي لوزارة التربية الوطنية بنيابة طنجة أصيلة  د/ سعيد بودرة الذي قدم كلة مؤثرة في حق الفقيد مخاطبا الحضور بقوله ” نلتقي  لنتقاسم ونشارك  صدق هذه اللحظة الوجدانية في ذكرى صديق لن تنسى مواقفه الرفيعة التي وسمت  مساره منذ كان تلميذا ثم موظفا بسمات الصدق والوفاء والصبر، لقد كنت أحسن  المبدعين،  تحسن الإيقاع والاستماع والاقتراح،ولذلك ظل الكل يحبك، فأصدقاؤك يقرئونك السلام في هذه الذكرى مستحضرين  فجاعة وهول الفراغ الذي تركته في ظل الزوابع التي ترافق الدخول المدرسي..” مندوب وزارة الثقفة د/ عبد العزيز  الإدرسي  أشاد بمناقب المرحوم  واصفا إياه  بحسن الخلق  لما اجتمع فيه من المكارم ، فلقد كان تربويا  وفاعلا جمعويا  ومبدعا  ومثقفا من الطراز الرفيع، ومبادرا . فقد اقترح علينا قبل وفاته بيوم يقول الإدريسي ،خلق مسارات  ثقافية  يقصدها  تلاميذ المدرس من أجل تحسيسهم بأهمية الموروث الثقافي والتاريخي ..وأخبر بأن دورة المعرض الجهوي للكتاب المقررة في شهر اكتوبر المقبل ستحمل اسم مكروم الطالبي. ودعا إلى جمع أعمال ومساهمات المرحوم  وإخراجها في حلة  تليق بمكانته ومستواه .. ” . الدكتور عز الدين الشنتوف كان له حضور متميز بقصيدته المؤثرة التي قدمت شهادات  عن علاقته  الحميمية  بالفقيد منذ النشأة الأولى في المدرسة الابتدائية وفي الحي، ثم عبر المراحل الدراسية ، ومرحلة العمل المشترك في حقل التدريس، ثم المشاركة في المجال الثقافي والفني … ثم جاء دور الأستاذ إدريس مامون الذي عكس الإحساس باليتم الناتج عن فقده لأعز صديق له،  فهو لا زال لم يصدق مفارقته له ، ولا زال يعتبر أن  وفاة الطالبي كأنها لم تكن، حيث قام بالوقوف عند المحطات التي جمعته برفيقه مستحضرا لحظة الزيارة المؤثرة لقبره- اليوم – بمقبرة المجاهدين من قبل أصدقائه قبل الانتقال إلى مسرح الحداد ببني مكادة،  حيث قدمت عروض للأطفال الذين كان يحبهم الطالبي، وكان آخر شيء  قدمه المرحوم هو تمثلاته التربوية  المستمدة من  كتابات أحمد بوكماخ . وذكر ادريس مامون أنه يقف للمرة الرابعة  للحديث عن أخيه الصغير قائلا:”  فقد تحدثت عنه في إذاعة طنجة،  وفي اللقاء الدولي  لمسرح الطفل بأصيلة  الذي خصص أمسية  تأبينية  لكل من مكروم الطالبي من طنجة ،  وبنيحيى من أصيلة..في أصيلة تحدث عنه سليم كويندي، وطلب مني رئيس المهرجان لألقي كلمة بالفرنسية بسبب وجود فرق فرنسية، وبعد الانتهاء من التدخل، توجه إلي أحد الفرنسين ليتساءل إن كان هذا الرجل قد فعل كل هذا الإنجاز، واستغرب لكون القاعة شبه فارغة من الحضور. لكنني اليوم أرى القاعة  ملأى بالأصدقاء  وعائلة المرحوم. كان الطالبي أول من تعرفت عليه  بطنجة يوم 30 يونيو  1978 لما قدمت عرضا لبيكيت  في قاعة  فاسيان نيلي، فوجدته ينتظرني  وهو شاب في الثامنة عشرة من عمره، وعمري آنذاك 30 سنة . وكانت المرة الأخيرة التي سأشاهده فيها قبل وفاته تزامنت بالصدفة مع تاريخ 30 يونية  2012 ، ولهذا سأظل أحس وكأن الطالبي لا زال على قيد الحياة،  ففي هذا التاريخ جاء يهنئني على عرضي الأخير ودعاني إلى الاحتفاظ بهدية من عنده وهي عبارة عن (شال) علني أحتاج إليه في العرض من جديد ، وقال لي إنك  قد تحتاج  إليه عند إعادة العرض..”

 الأستاذ المسرحي  رضوان احدادو الذي  جاء من تطوان، فقد ألقى كلمة مؤثرة جمعت كل مشاعر التقدير والإخلاص  والمحبة تجاه الفقيد، كما أشادت بمواقفه النبيلة وخصاله الثقفاية والفنيةن والمعرفية  .. وقد كانت هذه الكلمة المطولة  والعميقة مهيأة للنشر في جريدة الشمال الأسبوعية ..وتم  نشرها  بالفعل على صفحات هذه الجريدة  لمن يريد الاطلاع عليها .. يقول رضون ” كان موته مفاجئا ، لكنه لم يمنع  أثر الفقيد . كان وجوده نسمة عابرة .. لقد كان نسخة عطاء زاخر . أحب المسرح بعمق. دخل المسرح وهو تلميذ .. عايش كل الفرق المسرحية، جسد صورة المسرحي النموذجي الموضوعي،  أهدى  للمسرح المغربي عمله (ولد ميمونة ، والفزاعة ..)،  حافظ على أخلاقه ونظافته، .. وكانت اللحظة المؤثة هي التي  برز فيها  الشاعر عبد اللطيف بنيحيى  للحديث عن الفقيد بأحاسيس إنسانية متميزة  وبشكل عفوي بعيد عن كل مظاهر البروتكول . يقول ” أوعز لي القدر أن أزوره في مكتبه بالنيابة قبل رحيله  بيومين،  وأخذت أتحدث  معه عن الحياة والموت ، وقلت له إنني أكره الشيخوخة. وتحدثنا عن مكروم الذي عاش الحياة  بعمق. وحاولت أن أوهمه أن الرحيل عن الحياة أفضل من المجيئ إليها . تحدثنا عن المشروع الذي كان يعد هندسته وهو نص مسرحي اقترح علي تطعيمه بالزجل . تحثنا عن البياض، وكان يلبس لباسا أبيض،  فقلت له إن البياض  يثير في نفسي الشجن ، فقال لي إن البياض رمز الصفاء ، فأحلته على قصيدة  (جدران  الحجرة بيضاء،..) التي تقول: كل هذا البياض يثير في نفسي الشجن  …وطلب مني أن أكتب  له تلك الأبيات في ورقة . لقد أتيت لأتحدث له عن الموت والحياة وكأنه كان على علم بما سيجري . ودعنا بعض الأصدقاء في ظل هذه الظروف،  فارقنا في غفلة دون أن يودعنا، هل كان يحس أن  لوعة  الومضة تستعجل الرحيل؟  آ ه ، يامحمد ياجميل ..

   أما الناقد المسرحي  حسن يوسف  فقد تحدث عن علاقته بالمرحوم مشيدا بدور المسرح الذي جمع بين الطرفين رغم بعد المسافة المكانية طنجة / الراشدية  .إذ يقول: ” فلقد تعددت اللقاءات التي كانت تنظم بطنجة من طرف مجموعة من المحافل. والطالبي هو أحد الوجوه المسرحية التي جعلتني أحب طنجة ( فالمدن هي البشر ) على حد تعبير الروائي عبد الرحمان منيف … عرفته  فاعلا  مسرحيا ،  فمكروم  سيبقى وجها  مسرحيا حاضرا في  ذكرى المسرح المغربي  كملهم لأصدقائه من أجل أن يهتموا  بتراثه وجمعه .. ” وتحدث محمد الزيات باسم الفرق المسرحية الوطنية  عن دور المرحوم  في وضع الحجر الأساسي  لفيدرالية الفرق الوطنية المحترفة .. وأعطيت الكلمة  لعمدة مدينة طنجة فؤاد العمري الذي  أشاد بشخصية الفقيد ومواهبه المتعددة وبشيمه الحميدة،  وذكر أنه” كان عفيفا ومبدعا  ولهذا سنظل نستحضر حياته  وفقدانه،  وسنطلق اسمه على إحدى  قاعات  المركز الثقافي الذي سيفتتح قريبا “..  وتعاقبت على المنصة  أسماء  أخرى من بينها  رانية الطالبي ابنة المرحوم التي استحضت  روح الأب الحنون والمربي القويم، والفنان المبدع والمربي الميثالي المقدر لمسؤوليته.. ، ثم  جاء دور رفقيق دربه الزبير بنبشتى الذي وقف عند مجموعة من المحطات التي جمعته بالفقيد  ، وبعض المواقف المؤثرة من حياة المرحوم ..ومما ذكره  الزبير كشهادة في حق الطالبي ، هو أنه لم يكن أحد يوازيه  في مستوى تكوينه المسرحي بطنجة خلال مرحلة اشتغالهما  بفرقة تياترو الخشبة .. الحفل تخلله تقديم أعمال فنية متميزة من إنتاج وإبداع زملاء المرحوم، والتي اعتمدت آلية التوليف والجمع والإيحاء، وعرض الصورة المعبرة. وكان الخيط الرابط بين كل الحلقات هو الأستاذ الإعلامي محمد علو الذي أدار أعمال هذا الحفل بكل نجاح ومهارة ، إذ ظل في كل  فواصله يعكس وجدان الحاضرين وينقل أحاسيسهم الجياشة ، فكان الناطق الرسمي باسم الجميع بلغته الشاعرية الفياضة،  وصوته العذب المذاب في صوت الشاعر أحمد درويش .. يستحضر محمد علو الغياب المريع للمرحوم الذي كان يحتضر وهو يحمل محفظة ملأى بالمشاريع الثقافية .. وقد وصف قصيدة عبد اللطيف بنيحيى  بالمرثية التي  اعتصر لها  الوجدان والدمع  قبل أن  يعتصر لها  رحيق اللغة .




شاهد أيضا
تعليقات الزوار