بوزيد بوعبيد: ريشة المبدع ومِشْرط المُرمّم الذي يحرس ذاكرة تطوان من النسيان

كلما توغلت في أزقة المدينة العتيقة لتطوان، وانبعثت في ناظريك زرقة الجدران وظلال الأقواس الأندلسية، شعرت بأن هناك من يحمي هذه التفاصيل الجميلة والبديعة من سطوة الزمن، وما أكثرهم.خلف هذا الالتزام التاريخي والجمالي يقف قامة فنية استثنائية من بين رجالات أخرى عاهدوا الله على حماية مدينتهم الثرية بإرثها الحضاري، إنه الفنان التشكيلي والأكاديمي المخضرم البشوش والخدوم دائما بوزيد بوعبيد. وبين لوحاته التي تنبض بهوية الشمال، وأصابعه الدقيقة التي تعيد الحياة للتراث الإنساني كواحد من قلائل خبراء الترميم (الريستوراتور) في المغرب، يبرز بوزيد بوعبيد كحارس حقيقي للذاكرة المعمارية والشفهية لتطوان، ورابط حيّ بين جيل الرواد ومستقبل الفنون الجميلة وتراث المدينة الحُبلى بعِبق التاريخ . و يُمثل الأستاذ بوزيد بوعبيد ،الذي ازداد سنة 1953، ركيزة أساسية من ركائز المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان رغم أنه بلغ سن التقاعد، هذا الصرح الأكاديمي العريق الذي تخرّجت منه أجيال صاغت ملامح المحترف التشكيلي المغربي. ومنذ تحمل مهام التدريس في هذا المعهد المرجعي ،لم يكن أبدا الفنان بوعبيد ،الذي تخرج من “مدرسة الفنون الجميلة” سنة 1975 ثم أكمل دراسته الأكاديمية بإسبانيا وبلجيكا ،مجرد ملقّن لتقنيات الرسم واللون ومدرس لمواد تاريخ الفن وتاريخ الحضارات والرسم القديم، بل كان وما زال ينقل لطلابه فلسفة بصرية تجعل من الفن رسالة واعية بالتاريخ والمجتمع وحافلة بالروحانيات . في فصوله الدراسيّة، يمتزج التكوين الأكاديمي الغربي الصارم بخصوصية البيئة التطوانية، ليصنع امتدادا طبيعيا لـ “مدرسة تطوان التشكيلية” التي أسسها ماريانو برتوتشي وحافظ على تميزها المسترسل كارلوس غارسيا مويلا و محمد السرغيني وأحمد بنيسف والمكي مغارة وعبد الكريم الوزاني وعبد الله الفخار وسعد بنسفاج وأحمد العمراني..، مع إضفاء مسحة من التجديد والمعاصرة.و في عالم الفن، تظل مهنة “المرمّم” (Restaurateur) واحدة من أدق التخصصات وأكثرها ندرة في المغرب ،و بوزيد بوعبيد هو أحد هؤلاء الحرفيين-العلماء القلائل الذين يمتلكون المشرط والصبر والمَعرفة الكيميائية والجمالية لإعادة إنقاذ الأعمال الفنية المتضررة.. و عمله في ترميم اللوحات والذخائر البصرية لا يقتصر على إعادة الطلاء، بل هو “حوار صامت” مع مبدعي الماضي، ينظف غبار العقود،و يعالج تشققات الرطوبة،ويعيد الاعتبار لألوان كادت تندثر، ليوثق الروابط بين الأمس واليوم ويحمي ثروة المغرب الفنية من التلاشي والضياع.وفي هذا السياق ،كم من مرة أكد بوزيد بوعبيد على أهمية مهنة المرمّم في صون الفنون ، معتبرا أن اللجوء إلى أحدث التقنيات والطرق العلمية المتبعة في ترميم وإصلاح اللوحات الفنية القديمة قد لا يكفي في أحيان كثيرة،لأن المرمّم أو المُصلْح ملزم بالاطلاع على تقنية الرسم المستعلمة في اللوحة والتاريخ الفني السائد إبان إبداعها، وهل لجأ الرسام صاحب الإبداع إلى تقنية خاصة في رسمها، فضلا عن معرفة هل تعرضت اللوحة لإتلاف عرضي أو مقصود. وبعيدا عن مرسمه ومختبر الترميم، يتحول بوزيد بوعبيد إلى مؤرخ بصري وأنثروبولوجي يعشق أسرار تطوان.. فبريشته وقلمه، وثّق أدق تفاصيل “العمارة الأندلسية-المغربية” داخل المدينة العتيقة، بدءا من التناسب الهندسي للمعمار المحلي، وتوزيع فناءات البيوت التقليدية (الرياضات)، وصولا إلى الأبواب الخشبية المزخرفة والزليج التطواني الأصيل . ولا تتوقف حراسته للتراث عند الحجر واللون فحسب، وإنما تمتد لتشمل “الذاكرة الشفهية للمدينة” ،وفي هذا الجانب يُعد بوعبيد ،الذي أدار باقتدار متحف تطوان للفن الحديث ، مرجعا حيا للحكايات الشعبية، والمصطلحات المحلية المندثرة، وتفاصيل المهن التقليدية العتيقة وصراخ الأسواق القديمة وخلفيات التشوير الأرضي لتطوان . إنه ، باختصار ، يجمع الشتات الشفهي الذي تناقله الأجداد، ليمنحه عمقا وثائقيا يحميه من النسيان في عصر العولمة الجارف. إن بوزيد بوعبيد تجاوز تميزه التشكيلي بعرض لوحاته في قاعات العرض لعشرات المرات ، ليتحمل مهام “رجل مؤسسة” بمفرده، يجمع بين حساسية الفنان، ودقة العالِم المرمّم، وغيرة المؤرخ المحب لمدينته والفاهم لخصوصياتها . وفي كل لوحة ينقذها، وفي كل جيل يخرّجه، وفي كل حكاية تطوانية يوثقها، يترك هذا المبدع بصمة لا تُمحى في سجل الثقافة المغربية. ومن تم ، يظل بوزيد بوعبيد شاهدا حيا على أن الفن الحقيقي هو ذلك الذي يبدأ من الجذور، ويحمي الهوية، ليعْبُر بمجتمعه ،بكل ثقة، نحو آفاق المستقبل.



