سيميائية المكان والخيال في رواية “حراس البوابة الملعونة” ل محمد سعيد الاندلسي


بقلم :عبد العزيز حيون
في الفضاء الروائي المعاصر، تظل الرواية الإنسانية الأكثر عمقا هي تلك التي تتشابك فيها الجغرافيا مع التاريخ والخيال لتلد كائنات مأزومة،تعيش على تخوم الهويات الممزقة أحيانا والمبدعة في أحيان أخرى .
وتأتي رواية محمد سعيد الأندلسي “حراس البوابة الملعونة” ،الصادرة حديثا عن مركز أنجرة للدراسات والإبداع والتنمية،كعمل أدبي ملحمي يغوص في فلسفة الوجود والحدود، حيث لا تمثل “البوابة” مجرد جدار مادي يفصل بين عالمين، بل تتحول إلى رمز برزخي يفصل بين الوجود والعدم، وبين الذاكرة والنسيان.
وفي قلب هذا البناء السردي “القاتم”، تبرز الشخصيات الاستثنائية التي تجري في عروقها دماء هجينة، شخصيات ولدت من رحم التناقض، وتحمل في ملامحها وجيناتها إرث صراع تاريخي وثقافي لم تختره، بل فُرض عليها فردا.. هذا الدم الهجين ليس مجرد تفصيل بيولوجي، بل هو “لعنة” و”نبوءة” في آن واحد، “لعنة” تنفي عن أصحابها الاستقرار والانتماء الخالص لضفة دون أخرى، و”نبوءة” تجعل منهم الحراس المهيئين للوقوف في وجه أهوال البوابة الملعونة.
و يسعى هذا المقال ،الذي يُغَلب نظرة الصحافي على نظرة الناقد المتخصص ، إلى تفكيك البنية النفسية والاجتماعية لهؤلاء الحراس، واستكشاف كيف تحول “الهجين” من وصمة اغتراب ونبذ إلى مصدر قوة ميتافيزيقية ، وكيف صاغ الكاتب دراما تتحدث عن أناس معلقين بين عالمين.
و لربما يتفرد مضمون الرواية في كونه حكاية خيالية للمتعة ورحلة سيكولوجية ومجازية تعكس رغبة الإنسان الأزليّة في الهروب من الواقع والغوص في واقع آخر ، بحثا عن إجابات، أو خلاص، أو ربما هروبا من خيبات الحاضر أو محاولة فهم جوهر الأمور بشكل أدق .
في هذا المقال، أسلط الضوء على ثنائية “الواقع والمتخيل” في الرواية، وكيف وظّف محمد سعيد الأندلسي “البوابة” كجسر بين عالمين،ليقف على الحد الفاصل بين الداخل والخارج، مما يجعله في السرد اللغوي المُتْقن حارسا للحدود بين عالمنا الواقعي العادي والعالم العجائبي، بُغية امتلاك مفاتيح الأماكن والأسرار.
في رأيي ،تبدأ الرحلة من العنوان نفسه “حراس البوابة الملعونة”،الذي جعله المؤلف كرمز للانتقال والفصل بين المجهول و المعلوم بين نوع من الأمان والخطر وبين التَبَصر والتَرَبص .
عندما يقرر أبطال الرواية (أو يجدون أنفسهم مضطرين) لاختراق هذه البوابة، فإنهم لا يغيرون جغرافيتهم الفوقية فحسب، بل يعلنون رفضا ضمنيا للواقع الرتيب أو المؤلم الذي يعيشونه ..و”اللعنة” المرتبطة بالبوابة هنا ليست مُجرد سحر أسود، بل هي ضريبة المعرفة وتكلفة الجرأة على مغادرة “منطقة الراحة” الواقعية.
فيما الهروب في رواية الأندلسي ليس سلوكا عبثيا، بل هو نتاج ضغوطات وخيبات يفرزها الواقع الحقيقي ولربما قسوة الماديات التي جردت الإنسان من روحه قبل أن يتدارك نفسه ،وهي التي تُكبل الذات وتمنعها من التحليق أحيانا .
ويتحول الهروب عند الروائي والإعلامي محمد سعيد الأندلسي من “جبن” أو “تخاذل” إلى “فعل مقاومة” ، رغبة في إعادة بناء الذات بعيدا عن مشوهات الواقع الحقيقي.
و بمجرد عبور البوابة، يستعرض محمد سعيد الأندلسي عضلاته السردية في بناء “العالم البديل” ،هذا الواقع الآخر لا يحد نفسه في كونه فضاء من السحر والخرافة، بل يتحول الى “مرآة لواقعنا بطريقة فيها الكثير من الخيال ” ، الذي يتجسد في هذا العالم البديل عبر كائنات ومواقف رمزية، تذكرنا بأن التصورات والحروب التي نخوضها في خيالاتنا ما هي إلا انعكاس لمعاركنا اليومية الذاتية والموضوعية.
ويمثل “الحراس” في الرواية تلك القوى والأفكار (كالخوف، التقاليد، السلطوية) التي تحاول منع الإنسان من تجاوز حدود وعيه واكتشاف المجهول ،الذي لا يراه ولا يفهمه بالضرورة الجميع .
والغوص في هذا العالم يُجبر الأبطال على مواجهة مخاوفهم الداخلية.. فالشخصيات غير الآدمية التي يواجهونها (رمزيا) وراء البوابة ليست إلا تجسيدا لغنى خيالهم أو مخاوفهم، أو شكوكهم، أوعقدهم النفسية أو شجاعتهم على مواجهة واقع ليس بالسهل .
و الجميل في رمزية السرد عند الروائي الأندلسي هو أن الهروب ليس نهائيا،و الغوص في الواقع الآخر، بكل ما فيه من إثارة، رُعب، واكتشافات، يعمل كـ “مختبر تصفية” للشخصيات في رحلة خيالية تعود بك الى الواقع الأصلي بوعي جديد و لربما فَهْم أعمق للذات ولآليات صراع القوى في العالم الحقيقي.
وحسب قراءتي الخاصة ،تعد رواية “حراس البوابة الملعونة” واحدة من الأعمال الروائية التي تأخذ القارئ في رحلة بصرية وفكرية عميقة داخل عالم الفنتازيا والتشويق ،متميزة بحبكتها القائمة على صراع العوالم، وتداخل الغيبيات مع الواقع، مستندة إلى أساطير “عالم الجن” وعلاقته بـ “عالم الإنس”، والمسؤولية الجسيمة المُلقاة على عاتق سُلالة مختارة لحفظ هذا التوازن.
وبتميز ،نجح محمد سعيد الأندلسي في رواية “حراس البوابة الملعونة” في صياغة حبكة تتأرجح ،بذكاء وفطنة أدبية وتبصر عميق ،بين مُتعة الخيال (الفانتازيا) و جِدِية الطرح الفلسفي ،و جَعَل من “الهروب من الواقع” تكتيكا سرديا يقود القارئ الى الواقع ،الذي يدعونا هو نفسه الى الغوص في عوالمنا الداخلية، ومواجهة حراس بواباتنا الملعونة (الخوف، الجهل، التردد)، قبل العودة الى الواقع بقدرة أكثر لمجابهته وتغييره .
خلاصة القول.. لا تنتمي رواية “حراس البوابة الملعونة” لمحمد سعيد الأندلسي إلى أدب الرعب أو الفانتازيا التقليدية ،الفانتازيا لمجرد التسلية، بل هي مرآة تعكس صراع الإنسان الأزلي مع مخاوفه، وشهوته للسلطة والمعرفة المُحرمة.
و لقد نجح الكاتب في بناء عالم مشوق يدمج بين الغموض والإثارة، مستندا إلى أسلوب سردي متماسك ولغة بصرية غنية نجحت في حبس أنفاس القارئ حتى السطور الأخيرة، كما نجح في الكشف عن حراس النوايا والنزعات المظلمة داخل النفس البشرية.



