رسالة الملك صريحة إلى مدريد: مغرب اليوم ليس مغرب الأمس.. وقواعد العلاقات تغيرت للأبد

بقلم :عبد العزيز حيون //

أرسل جلالة الملك محمد السادس، في خطابه القوي والمباشر أمام البرلمان، رسائل حاسمة وواضحة لا تحتمل اللبس أو التأويل المزدوج إلى الجارة الإسبانية والشركاء الأوروبيين.
لقد وضع جلالته النقاط على الحروف بشجاعة سياسية وندية كاملة، معلنا بداية مرحلة جديدة تحكمها الصراحة والشراكة المتكافئة، ومؤكدا بوضوح أن نموذج التعاون التقليدي والإطار الراهن في إدارة الملفات الحدودية وقضايا الهجرة قد “أصبح متجاوزا ومتهالكا” ، ولا يمكنه الاستمرار بمفاهيم وأساليب الماضي.
أولا ،لا للابتزاز السياسي: الشراكة خيار سيادي وليست املاءات .. وقد تضمنت المرتكزات السياسية والدبلوماسية في الخطاب الملكي موقفا مبدئيا حازما يرفض كافة أشكال الوصاية أو المزايدات الانتخابية.
و أعرب ملك المغرب بصوت عال عن أن تعاطيه مع الشراكة الاستراتيجية مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي هو قرار سيادي والتزام طوعي نابع من إرادته الحرة ومصالحه الوطنية، وليس التزاما مفروضا أو خضوعا لأي شكل من أشكال “الضغط، التهديد، أو الابتزاز”.
وفي هذا السياق ، انتقد جلالة الملك بصرامة لجوء أطراف سياسية وإعلامية إسبانية معروفة بعدائها المجاني للمغرب — خصوصا في أوساط اليمين واليمين المتطرف — إلى استغلال ملف الهجرة الحساس كورقة رخيصة للمزايدة في أوج الحملات الانتخابية، للظفر بمكاسب مرحلية ضيقة لا تخدم المصالح العليا للعلاقات الثنائية ولا توفر حلولا واقعية.
ثانيا، المنظومة الإسبانية تحت المجهر: أين تكمن المعضلة الحقيقية؟
لم يتوقف الخطاب الملكي عند حدود التوصيف السياسي، بل اخترق جدار الأزمة القانونية والجوديشيارية في إسبانيا، مبينا الثغرات التي تتسبب في تعطيل الاتفاقيات:
منها قوانين متجاوزة وقرارات بعيدة عن الواقع، و أوضح جلالته أن العقبات الفعلية التي تعترض تفعيل مساطر الترحيل والإعادة — لا سيما فيما يتعلق بالقاصرين غير المرافقين ومن ينتحلون صفة “طالب لجوء” — لا تكمن في الجانب المغربي، بل تعود بالأساس إلى “مقتضيات قانونية متجاوزة وقرارات قضائية إسبانية بعيدة تماما عن الواقع الميداني”.
ومنها أيضا تغذية شبكات التهريب والجريمة المنظمة من خلال التخبط التشريعي والجمود القضائي داخل إسبانيا ،والذي يؤدي عمليا إلى توفير بيئة خصبة يستغلها تجار البشر وشبكات التهريب، وهو ما ينسف جهود التدبير المشترك للمعابر.
ثالثا، رؤية ملكية متبصرة: انتقالات استراتيجية بديلة عن إدارة الأزمات..
وتجسيدا لبعد النظر والتبصر الملكي، أعلن المغرب عن تجاوزه لمرحلة الاكتفاء بالنقد إلى تقديم حلول هيكلية ومبادرات استراتيجية تتجلى في وثيقة عمل رسمية للشركاء الأوروبيين و تقديم وثيقة عمل رسمية متكاملة تتجاوز أساليب إدارة الأزمات المقطعية أو التعاطي الترقيعي مع الملفات الأمنية.
وستشكل الوثيقة إطارا حديثا يجمع الأمن والتنمية،وتهدف إلى بناء نموذج تعاون حديث يربط بشكل متوازن بين متطلبات الأمن، وفرص التنمية المشتركة، وحفظ الاستقرار الإقليمي، بعيدا عن أهواء الأحزاب التي تسعى لاقتناص مكاسب عابرة تقوض العلاقات.
و خلاصة الخطاب الملكي هو معادلة الندية،فمغرب اليوم قوة إقليمية لا تملى عليها الشروط.
ويجب على إسبانيا، بنخبها السياسية والإعلامية وقادتها الحزبيين، أن تعي جيدا وقبل فوات الأوان أن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس.
إن المملكة المغربية تقف اليوم بثبات بصفتها دولة ذات حضور سياسي وازن على الساحتين الإقليمية والدولية وتسير على أسس تنمية متوازنة واقتصاد نوعي ناشئ يمتلك مقومات الصمود والنمو.
كما للمغرب بنية تحتية رائدة ونموذج ديمقراطي ومؤسساتي متميز ،وبالتالي فإن بناء شراكة مستقبلية متينة مع الرباط يتطلب النظر إلى المغرب بنظرة متحررة من رواسب الماضي، تعتمد الندية، والاحترام المتبادل، والاعتراف الصريح بالحقوق الاستراتيجية للمملكة.
أما سياسات الابتزاز والمزايدات الانتخابية فقد ولّت إلى غير رجعة.

طنجةبريسhttps://tangerpress.com/news-62813.html




شاهد أيضا
تعليقات الزوار