حين تنتصر الدولة للاستباق… المغرب يؤكد أن السيادة ليست شعارا بل ممارسة يومية

حين تنتصر الدولة للاستباق… المغرب يؤكد أن السيادة ليست شعارا بل ممارسة يومية

بقلم : محمد اليطفتي

في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، وتتداخل فيه التهديدات التقليدية مع المخاطر الرقمية، لم تعد قضايا الهجرة غير النظامية مجرد ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالفقر أو البطالة أو البحث عن مستقبل أفضل، وإنما تحولت إلى أحد أكثر الملفات تعقيدا وتشابكا،حيث تتقاطع فيها رهانات الأمن القومي، وحسابات السياسة الدولية، ومصالح شبكات الجريمة المنظمة، والحروب الرقمية،والدعاية المضللة، والاستغلال البشع لأحلام الشباب.

ومن هذا المنطلق،فإن التصريح الذي أصدرته وزارة الداخلية حول الأحداث التي عرفتها نقاط العبور المؤدية إلى مدينتي سبتة ومليلية لا ينبغي التعامل معه باعتباره بلاغا إخباريا عاديا أو ردا ظرفيا على وقائع ميدانية، بل باعتباره وثيقة سياسية وأمنية ذات دلالات عميقة، تكشف طبيعة التحديات الجديدة التي تواجه المملكة المغربية، وتبرز في الوقت نفسه مدى نضج الدولة المغربية في تدبير الأزمات وفق رؤية استباقية، تستند إلى التخطيط واليقظة والاحترافية وسيادة القانون.

لقد اعتادت بعض الجهات، كلما شهدت المعابر المؤدية إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، أو محيطهما، توترا أو محاولات للهجرة غير النظامية، أن تسارع إلى إطلاق التأويلات، وتغذية الإشاعات، وبناء الروايات قبل ظهور الحقائق. غير أن الدولة المغربية اختارت مرة أخرى لغة الأرقام، ومنهج المعطيات الدقيقة، والشفافية في عرض الوقائع، وهو ما يعكس ثقة المؤسسات في نفسها، وإيمانها بأن الرأي العام يستحق الحقيقة كاملة، بعيدا عن المزايدات الإعلامية أو الحملات الرقمية التي تستهدف التشويش على نجاحات المملكة.

لقد جاء التصريح واضحا في التأكيد على أن ما وقع لم يكن نتيجة اندفاع تلقائي أو تفاعل عفوي بين آلاف الشباب، وإنما كان ثمرة عملية تضليل واسعة النطاق، شاركت فيها منصات رقمية، واستثمرت فيها شبكات الاتجار بالبشر، كما غذتها تأويلات مغلوطة لبعض القرارات والإجراءات القانونية المتعلقة بالهجرة، الأمر الذي خلق لدى عدد من الشباب اعتقادا زائفا بإمكانية الوصول إلى الضفة الأخرى دون مساءلة أو إعادة.

وهنا تكمن خطورة المرحلة.

فنحن أمام جيل يعيش داخل فضاء رقمي مفتوح، يتلقى أخباره من مقاطع قصيرة ومنشورات مجهولة المصدر أكثر مما يتلقاها من المؤسسات الرسمية أو وسائل الإعلام المهنية، وهو ما يجعل الإشاعة تتحول في ساعات قليلة إلى “حقيقة” بالنسبة لآلاف الأشخاص، ويجعل الأخبار الكاذبة قادرة على دفع شباب إلى المجازفة بحياتهم، ظنا منهم أنهم يسلكون طريقا آمنا نحو أوروبا.

إن ما وقع يعيد إلى الواجهة سؤالا بالغ الأهمية: هل أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي إحدى أخطر أدوات تهديد الأمن الوطني؟

الجواب، في ضوء ما كشفته وزارة الداخلية، يبدو واضحا. فالأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد يرتبط فقط بحراسة الحدود أو مراقبة السواحل، بل أصبح يشمل حماية العقول من التضليل، ومواجهة الحرب النفسية، والتصدي لحملات التلاعب الجماعي التي تستهدف دفع المواطنين إلى اتخاذ قرارات قد تنتهي بمآس إنسانية.

وفي هذا السياق، برزت مرة أخرى قوة النموذج المغربي في التدبير الاستباقي للأزمات.

فمنذ اللحظات الأولى، لم تنتظر السلطات العمومية انفلات الوضع أو تفاقم المخاطر، بل تحركت وفق مقاربة متكاملة، اعتمدت الرصد المبكر للمؤشرات، ورفعت درجات اليقظة، وعززت حضور السلطات الترابية، وعبأت مختلف الأجهزة الأمنية، وكثفت المراقبة البرية والبحرية، بما مكن من التحكم في مجريات الأحداث، والحفاظ على الأمن العام، وإنقاذ الأرواح، وتفادي سيناريوهات أكثر خطورة.

إنها ليست مجرد إجراءات ميدانية، بل تعبير عن مدرسة مغربية في إدارة الأزمات، أصبحت تحظى بتقدير إقليمي ودولي، لأنها تقوم على مبدأ بسيط لكنه بالغ العمق: الاستباق أفضل من رد الفعل.

وهذه الفلسفة ليست منفصلة عن التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، الذي جعل من بناء الدولة الحديثة، القوية بمؤسساتها، واليقظة في مواجهة التهديدات، خيارا استراتيجيا منذ اعتلائه العرش.

لقد استطاعت المملكة، تحت القيادة الحكيمة لجلالة الملك، أن تبني منظومة أمنية متطورة، أصبحت نموذجا في المنطقة، ليس لأنها تعتمد على القوة فقط، وإنما لأنها تجمع بين الكفاءة الاستخباراتية، والجاهزية الميدانية، والاحترافية القانونية، واحترام حقوق الإنسان، والالتزام بالمعايير الدولية.

ولعل ما يميز المقاربة المغربية أنها لا تنظر إلى الهجرة باعتبارها قضية أمنية خالصة، بل تعتبرها أيضا قضية إنسانية وتنموية، وهو ما جعل المغرب يتحول، خلال السنوات الأخيرة، إلى أحد أبرز المدافعين عن مقاربة شاملة للهجرة، تقوم على المسؤولية المشتركة، والتعاون الدولي، وتقاسم الأعباء، بدل تحميل دول العبور وحدها تبعات أزمة عالمية معقدة.

ومن هنا تبرز أهمية ما أكدته وزارة الداخلية من أن المغرب سيظل شريكا موثوقا للمجتمع الدولي، ملتزما بتعزيز التعاون مع شركائه، وفي مقدمتهم المملكة الإسبانية والاتحاد الأوروبي، في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، دون أن يتنازل، في المقابل، عن سيادته الوطنية أو عن حقه المشروع في حماية أمنه وصيانة مجاله الترابي.

إن المملكة المغربية لم تكن يوما دركيا لأوروبا، كما يحاول البعض أن يصور، وإنما هي دولة ذات سيادة، تتعامل مع هذا الملف انطلاقا من مصالحها الوطنية، وفي إطار التزاماتها الدولية، وبمنطق الشراكة المتوازنة القائمة على الاحترام المتبادل.
ومن زاوية أخرى، فإن الأرقام والمعطيات التي قدمتها وزارة الداخلية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد إحصاءات تقنية، بل باعتبارها مؤشرات على وجود منظومة مؤسساتية متماسكة، قادرة على الرصد والتحليل والاستباق. فحين تتمكن السلطات المختصة من تحديد العدد الفعلي للمشاركين في محاولات العبور، وتتبع مسارات تحركاتهم، والتمييز بين ما هو حقيقي وما هو متداول في فضاءات التواصل الاجتماعي، فإن ذلك يعكس انتقال الدولة المغربية إلى مستوى متقدم في تدبير المخاطر، قائم على المعلومة الدقيقة لا على التخمين، وعلى التخطيط لا على الارتجال.

لقد أثبتت الأحداث أن الدولة كانت تمتلك رؤية واضحة لما يجري منذ مراحله الأولى، وهو ما مكنها من تعبئة مختلف المتدخلين، وتعزيز حضور السلطات الترابية، ورفع درجة الجاهزية لدى مختلف الأجهزة الأمنية، وتكثيف المراقبة البرية والبحرية، بما حال دون تحول هذه المحاولات إلى أزمة أمنية أو إنسانية واسعة النطاق.

وهذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل هو امتداد لمسار طويل من الإصلاحات التي شهدتها المؤسسات الأمنية والإدارية بالمملكة، في ظل الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، الذي جعل من تحديث الإدارة، وتأهيل المؤسسات، وترسيخ الحكامة الأمنية، أحد أعمدة بناء الدولة المغربية الحديثة.

لقد أبانت وزارة الداخلية، مرة أخرى، عن مستوى عال من الاحترافية في تدبير الأزمة. فبعيدا عن لغة الانفعال، اختارت مخاطبة الرأي العام بلغة الوقائع والأرقام، وهو ما يعكس احتراما لذكاء المواطنين، وثقة في قوة المؤسسات، وإيمانا بأن الحقيقة الموثقة هي أفضل جواب على الإشاعات والدعايات المغرضة.

كما أن إحالة مختلف الوقائع المرتبطة بهذه الأحداث على النيابة العامة المختصة، وفتح الأبحاث القضائية لتحديد المسؤوليات والكشف عن المتورطين في التحريض أو تنظيم أو تسهيل محاولات الهجرة غير النظامية، يؤكد أن المملكة تواجه هذه الظواهر في إطار دولة الحق والقانون، حيث لا أحد فوق القانون، ولا مجال للإفلات من المحاسبة، سواء تعلق الأمر بشبكات الاتجار بالبشر أو بمروجي الأخبار الزائفة أو بكل من يثبت تورطه في تعريض حياة المواطنين للخطر.

إن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على التدخل في لحظة الأزمة، وإنما أيضا بقدرتها على إعمال القانون بعد انتهائها، حتى لا تتكرر الممارسات نفسها، وحتى يدرك الجميع أن حماية الأرواح مسؤولية لا تقبل التهاون.

ومن جهة أخرى، فإن هذه الأحداث أعادت إلى الواجهة الدور التخريبي الذي أصبحت تضطلع به شبكات الاتجار بالبشر، والتي لم تعد تكتفي بتنظيم الهجرة غير النظامية، بل أصبحت توظف الفضاء الرقمي لتسويق الأوهام، وبث الإشاعات، واستغلال هشاشة بعض الفئات الاجتماعية، وتحويل معاناة الشباب إلى تجارة مربحة لا تعبأ بما قد يترتب عنها من مآسٍ إنسانية.

وهنا تكمن مسؤولية المجتمع بكل مكوناته.

فالمعركة اليوم لم تعد أمنية فقط، بل هي أيضا معركة وعي. فكما تحرس القوات العمومية المعابر والسواحل، ينبغي أن تحرس المدرسة والأسرة والإعلام والمجتمع المدني عقول الشباب من حملات التضليل، وأن تعزز ثقافة التحقق من الأخبار، وعدم الانسياق وراء الدعوات المجهولة التي تنتشر بسرعة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

لقد أثبتت التجارب أن كثيرا من الكوارث تبدأ بإشاعة، وأن خبرا كاذبا قد يدفع مئات الأشخاص إلى اتخاذ قرارات مصيرية قد تنتهي بفقدان حياتهم أو حريتهم أو مستقبلهم.

وفي هذا الإطار، يبرز الدور المحوري للإعلام الوطني المهني، الذي يقع على عاتقه واجب نقل الحقيقة كما هي، وتفنيد الأخبار الزائفة، وتقديم المعلومة الدقيقة للرأي العام، بعيدا عن الإثارة أو السباق المحموم نحو نسب المشاهدة.

إن الإعلام المسؤول ليس مجرد ناقل للخبر، بل هو شريك في حماية الأمن المجتمعي، وفي ترسيخ ثقافة المسؤولية، وفي مواجهة الحملات التي تستهدف زعزعة الثقة في مؤسسات الدولة.

ولا يمكن كذلك إغفال الدور الكبير الذي قامت به مختلف السلطات الترابية، ورجال ونساء الأمن الوطني، والدرك الملكي، والقوات المساعدة، ومختلف المتدخلين الذين ظلوا في الميدان، يؤدون واجبهم الوطني بكفاءة عالية، وبروح المسؤولية، وبالتزام صارم بالقانون، وهو ما يستحق كل التقدير والتنويه.

لقد أثبت هؤلاء، مرة أخرى، أن الاستثمار الذي قامت به المملكة في تأهيل العنصر البشري، وتطوير وسائل العمل، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، لم يكن استثمارا ظرفيا، بل خيارا استراتيجيا أثبت نجاعته في أكثر من مناسبة، سواء في مواجهة الجريمة المنظمة، أو الإرهاب، أو تدبير الكوارث، أو حماية الأمن العام.

طنجةبريس




شاهد أيضا
تعليقات الزوار