ملعب سانية الرمل بتطوان: ذاكرة وقلعة كرة القدم المغربية التي لا يُنسى تاريخه

بقلم عبد العزيز حيون

يقف ملعب “سانية الرمل” بمدينة تطوان، والمعروف بين أهل وعشاق كرة القدم في تطوان ب”لا إيبيكا” (أو “لامبيكا” النعت الشعبي المتداول )، كأحد أبرز الشواهد الرياضية والتاريخية في المملكة المغربية ،وأحد أجمل الملاعب بموقعه وهندسته و مدرجاته و أرضيته وسردياته . فهذا الملعب ،الذي شيد قبل 103 سنة من طرف المهندس الإسباني ماركيس دي فاريلا وتشكل بصيغته الحالية سنة 1948 بعد أن تعزز موقع فريق المدينة “أتليتيكو تطوان” في “لا ليغا ” الإسبانية في فترة الحماية ، هو ذاكرة حية تختزل حقبا زمنية مختلفة ،ليس في الجانب الرياضي الوطني والأجنبي فقط وإنما في الجانب التربوي والأكاديمي . و بالفعل ، يُعد هذا الملعب التاريخي معلمة فريدة من حيث الهندسة المعمارية والأبعاد الاستثنائية التي شُيد عليها، و من حقبة الحماية إلى عهد الاستقلال ظل هذا الصرح الرياضي يروي قصصا مجيدة جمعت بين متعة الرياضة، ونبل الثقافة، و مرامي التربية. وصُمم ملعب سانية الرمل بتخطيط هندسي راعى فيه المصممون المعايير الأولمبية لتلك الفترة، شاملا حلبة لألعاب القوى وفضاء للرماية والشعلة الأولمبية التي كانت تطل على وادي المحنش ، مما جعله سبّاقا في احتضان التظاهرات ذات الطابع الرياضي التنافسي الشامل في المنطقة. وأصبح الملعب منذ إنشائه المَعقل التاريخي لنادي أتليتيكو تطوان ثم المغرب أتليتيك تطوان كركيزة أساسية للحياة الرياضية بالمدينة. و تتمثل إحدى فرائد هذا الملعب التاريخي أنه الملعب الذي احتضن مباريات رسمية ضمن دوري الدرجة الأولى الإسباني (La Liga) خلال موسم 1951/1952 ، ليكون الفريق الوحيد من خارج القارة الأوروبية الذي يشارك في هذا الدوري و هذه المنافسة التي كانت دائما محط أنظار العالم لتميزها بمهارات اللاعبين والصراع القوي بين الأندية . وخلال ذلك الموسم، وطأت أقدام كبار نجوم الكرة العالمية والإسبانية عشب سانية الرمل، ومُنيت أندية كبرى مثل أتلتيكو مدريد وريال مدريد (6 يناير سنة 1952) بزيارات تاريخية لهذه القلعة التطوانية، مما جعل الملعب مُدونا بحروف من ذهب في سجلات الكرة الدولية. بعد استقلال المغرب، واصل ملعب سانية الرمل أداء دوره الريادي، حيث أصبحت مدرجاته تصدح بهتافات الجماهير التطوانية في دوري الدرجة الأولى المغربي كما في دوري الدرجة الثانية قبل أن ينال شرف الفوز بالبطولة الاحترافية المغربية مرتين سنتي 2012 و2014 وشارك لأول مرة في كأس العالم للأندية عام 2014. ولم يقتصر دوره على الأندية، بل كان شاهدا على استضافة المنتخب الوطني المغربي في بداية سبعينات القرن الماضي في عدة مناسبات ومباريات ودية ورسمية ،واحتضن بعض مباريات المنتخب الوطني المغربي في إقصائيات مونديال 1974 ، حيث استقبل ملعب سانية الرمل 3 مباريات رسمية واجه فيها منتخبنا المغربي كلا من غينيا و ساحل العاج و زامبيا ، قبل أن ينال شرف احتضان نهائي كأس العرش لكرة القدم 16 يوليو 1978 والذي جمع بين نادي الوداد الرياضي والنهضة القنيطرية . وفي جانب آخر ، لم يكن الملعب حصرا على كرة القدم المحترفة، بل تشبع بالبعد التربوي والمجتمعي. فقد ارتبطت ذاكرة أجيال متعاقبة من أبناء تطوان بـ”المهرجان الرياضي المدرسي” الاستعراضي الذي كان يُقام على أرضيته سنويا ، والذي شخص لوحاته تلاميذ المؤسسات التعليمية الإبتدائية للفوز بجائزة أحسن عرض تربوي كانت مصدر فخر كل المدارس بالحمامة البيضاء . و تحول الملعب في تلك المناسبات إلى لوحة فنية ورياضية تجمع تلاميذ كل مدارس المدينة لعرض مهاراتهم الفنية والجماليات الرياضية، مما ساهم في ترسيخ القيم الرياضية والتنافسية النبيلة لدى الناشئة . و امتد دور ملعب سانية الرمل ليشمل أيضا الجانب الأكاديمي، إذ كان الملعب هو المحطة الرسمية لاستقبال امتحانات مادة التربية البدنية لنيل شهادة الباكالوريا لجميع تلاميذ مؤسسات المدينة . وتحتفظ ذاكرة الآلاف من أبناء تطوان بذكرى اجتيازهم لاختبارات الجري، والقفز، والرمي على حلبة سانية الرمل، مما جعل للملعب مكانة عاطفية خاصة في قلوب الشباب وعوائلهم. و يبقى ملعب سانية الرمل بتطوان رمزا متعدد الأبعاد ، فهو ليس مجرد منشأة رياضية عابرة لهتافات الجماهير الرياضية من مختلف مدن المغرب ، بل هو وثيقة تاريخية تتكامل فيها أمجاد الكرة الإسبانية السابقة، وأصالة الدوري المغربي، وذكريات الطفولة والشباب بين المهرجانات المدرسية وامتحانات الباكالوريا. ورغم تحديات العصر والحاجة إلى التأهيل المستمر، سيظل ملعب “سانية الرمل ” متفردا بقيمته التاريخية كملعب ذاق طعم البطولة الإسبانية وكمسرح لأجمل حكايات الرياضة المغربية.




شاهد أيضا
تعليقات الزوار