عبد الصمد بن شريف يتحدث عن مدارس استثنائية للدخول التربوي الحالي

 

عبد الصمد بن شريف يتحدث عن مدارس استثنائية للدخول التربوي الحالي


 


هي نار الفتنة تلتهم ألسنتها عددا مهما من الأسر المغربية،فتنة من نوع خاص ،لاهي حرب قائمة على الخطط العسكرية والإستراتجية،ولاهي منازلة حامية تستعر وتشتعل بسبب حجم ونوعية الأسلحة المستعملة فيها ،إنها مع ذلك تشبه الحرب في كثير من تفاصيلها ومواصفاتها، حرب فرضت على جزء من المغاربة الذين فقدوا الثقة في مدرستهم العمومية ،وركبوا موجة البحث عن الجودة والتكوين الجيد والتأطير الحديث في مدارس خاصة ،وهم في اختيارهم هذا ،متفاوتون من حيث المنفعة والضرر .
هناك اسر تنتمي إلى الطبقة الوسطى ،بالكاد تغطي مصاريف الحياة اليومية ،وتتصارع من أجل البقاء مستورة بدون اختلالات ومآسي لاقدر الله ،لكنها وجدت نفسها تحث تأثير جاذبية وسلطة المدرسة الخاصة،وفضلت أن تتقشف و تقلص وتعقلن النفقات اليومية ،بغية تغطية تكاليف تدريس أبنائها وبناتها،وهي في هذا الاختيار وجدت نفسها مع شريحة من الأسر المغربية ،لاتجد مشكلا أوصعوبة في تحمل الأعباء والفاتورات التي تشهرها المدارس الخاصة .
في الرباط والدار البيضاء وغيرها من المدن الكبرى،تتحول المدارس الخاصة إلى مايشبه مصحات خاصة ،لاتؤمن إلا بالمال والدفع المسبق ،ولاعلاج قبل إظهار الشيك أو الأوراق النقدية ،وصارت شركات ربحية ،يمتلك معظمها ويديرها أشخاص ينتمون إلى أوساط وأسر متنفذة داخل الدولة أو لهم ارتباط بشخصية أو دائرة من دوائر النفوذ.
المشهد مستفز للكثيرمن المغاربة ،لكنهم يقبلون ويتحملون على مضض هذه الحرب المعلنة ضدهم ،إشباعا لرغبات وغايات لانفهم الدوافع الكامنة خلفها،حرب مادية تقصف الجيوب وحرب رمزية تخلق لدى الطفل تناقضا وصراعا وارتباكا في هويته ،فهو في هذه المدارس ،أشبه بجندي في ثكنة لغوية عليه أن ينضبط لقواعد المؤسسة وتقاليدها ،فلا حديث ولاوثيقة إلا باللغة الفرنسية ،بل أكثر من هذا ،تلحظ المواطنين الذين قذفت بهم رياح اختياراتهم إلى هذه المدارس ،وكأنهم في يوم حساب ،فهم يتوسلون ويتمسحون بمسئولي هذه المدارس لتسجيل أبنائهم ،وبكثير من الإذلال والعجرفة والانتفاخ والإحساس بالعلو ،تشن إدارات هذه المدارس حروبا نفسية على من يقصدها ،وعليك أن تنتظر سنتين أو ثلاث سنوات ،لتحظى بقبول أو موافقة على التسجيل ،وكأنك ستحجز مقعدا في الجنة .
يحدث هذا في الوقت الذي تكاد فيه أكتاف بناتنا وأبنائنا تنكسر،بسبب ثقل الحقائب التي يحملونها وهي ممتلئة بالكتب والدفاتروالقصص بكل اللغات ،ومشاريع إصلاح التربية والتعليم ،فاقت كل تصورممكن ،واختبار جدوى وجودة المناهج صار تمرينا مغربيا بامتياز ، وتنظيم المناظرات وتشكيل اللجان وصياغة التقارير والتوصيات بشأن التعليم ، تحول إلى ظاهرة مغربية،والبحث عن المسالك والمعابر والحوامل والركائز والجسور سعيا إلى مدرسة عمومية ذات مصداقية وجودة ،أضحى تجربة سيزيفية ،تهدد وجود هذه المدرسة ،و المخططات الاستعجالية والوقائية وحملات التلقيح من الأمراض الفتاكة ،لم تحصن هذه المدرسة من كثير من العلل ،ولم تمنعها من الفيروسات المدمرة وفي مقدمتها فيروس فقدان الثقة في هذه المدرسة.
وعلى غرار المصحات الخاصة التي حلت محل المستشفيات العمومية مستنزفة جيوب المواطنين،حلت المدارس الخاصة محل المدرسة العمومية ،وأصبح كل من تتوفر له أية أمكانية حتى ولو كانت ضعيفة ،يفكر في المدرسة الخاصة مهما كانت الكلفة والمكابدة ،وحتى الذين يدرسون في المدرسة العمومية وهم الأغلبية إذا لم أخطئ،حسموا أمرهم وقرروا تسجيل بناتهم وأبنائهم في المدارس الخاصة ، فهم وبناء على صورة سلبية منتشرة في المجتمع عن المدرسة العمومية ،لايثقون في هذه الأخيرة ،ويعتبرون مناهجها وبرامجها منتجة للفشل والضحالة واللافعالية ،وتبعا لقناعتهم فهم يفضلون التقشف والمعاناة والضغوط اليومية ،على أن يتوجه أبناؤهم إلى مدرسة عمومية .
إن الحديث بهذه النبرة عن فشل المدرسة العمومية ،نابع من الخوف على أن يفقد مجتمعنا فضاءات صناعة المواطنة وإنتاج المعرفة ،لأنه بكل بساطة لايمكن أن نبني مشروعا اجتماعيا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا ،بدون مدرسة عمومية مؤهلة ومواطنة وفعالة ،ولايمكن أن نزرع بذور الحداثة والعقلانية والديمقراطية و نقيم المؤسسات ونضمن اشتغالها السليم ،بدون مدرسة عمومية يثق فيها المغاربة وتغريهم بجاذبيتها ومصداقيتها.




شاهد أيضا
تعليقات الزوار