تازة والمقاومة – المدينة التي قاومت جيشين:قلاع مقاومة… ودماء منسية
بقلم: عمار قشمار
في زاوية معتمة من الذاكرة الوطنية،تختبئ حكاية تازة مع المقاومة.مدينة قاومت مرتين: مرة ضد الاستعمار،ومرة ضد النسيان. وبالرغم من بسالة رجالها ونسائها،ومن موقعها الجبلي الحصين الذي صمد في وجه حملتين عسكريتين فرنسيتين متزامنتين من الشرق والغرب،فإن سردية تازة في الأدبيات الرسمية ظلت هامشية،كما لو أن هذه المدينة لم تدفع ثمن السيادة مثل غيرها، وربما أكثر. قلاع مقاومة… ودماء منسية
من (قبيلة أكزناية،جبال باب بودير،وتيزي وسلي)،وبويبلان،ومغراوة،دارت معارك عنيفة في وجه القوات الاستعمارية المدججة. لم يكن المقاومون يملكون سوى البنادق التقليدية،والقدرة على التسلل،وحب الأرض.ورغم الفارق المهول في العتاد،استطاعت الكتائب المحلية، ضمن جيش التحرير،أن تُربك حسابات الجنرال ليوطي.
لكن هذه الملحمة البطولية لم تُدوَّن كما يجب، ولم تُخلَّد في المناهج، ولا في الذاكرة الرسمية. فلا متحف للمقاومة، ولا نصب تذكاري، ولا حتى شارع رئيسي يحمل أسماء أولئك الرجال الذين سقطوا دفاعًا عن الوطن. من المقاومة إلى الانتقام الرمزي
بحسب مؤرخين وناجين، فإن القوات الفرنسية، بعد عجزها عن إخضاع المنطقة بشكل مباشر، استعانت بقوات «مخزنية» وميلشيات محلية لفك الطوق، وتم تدبير هجوم مشترك على المدينة عام 1914، في واحدة من أكبر العمليات التي دشّنت بداية السيطرة الفعلية على تازة.
ورغم المقاومة، لم يتم تحصين المدينة بعد الاستقلال كما ينبغي، بل تم التعامل معها باعتبارها “منطقة ساخنة”. وهذا ما يُفسر لماذا لم تستفد من مشاريع هيكلية كبرى في العقود الأولى بعد الاستقلال، رغم موقعها المركزي.
محمد الخامس… والعودة إلى تازة
في إحدى الصور النادرة،يظهر الملك محمد الخامس إلى جانب قادة جيش التحرير في تازة،بعد عودته من المنفى.الصورة تختزل رمزية كبرى: فالمدينة كانت قاعدة خلفية لحركات المقاومة،ومحطة بارزة في التعبئة ضد المستعمر،خاصة في السنوات الأخيرة من الحماية الفرنسية.
لكن،بمرور الزمن،خفت وهج تازة المقاوِمة،لتبقى المدينة ترفع لواء الصبر دون مقابل.
المدرسة العسكرية وإرث الانقلاب
زاد من تعقيد علاقة تازة بالمركز، ارتباطها في السرد الرسمي بمحاولة انقلاب الصخيرات عام 1971، حيث خرج عدد من المتورطين من مدرسة أهرمومو العسكرية القريبة. ومنذ تلك المرحلة، طغى نوع من الحذر في التعامل مع المدينة، ما انعكس سلبًا على مستوى الاستثمارات والمشاريع التنموية، وفق تقديرات غير رسمية.
التهميش بعد المقاومة… مفارقة وطنية
كيف لمدينة ساهمت في التحرير أن تُحرم من أبسط الحقوق؟
كيف تُحتفى مدن أقل وزنًا رمزيًا، وتُنسى مدينة كانت بوابة الجيوش المغربية لقرون؟
لماذا لا تندرج تازة ضمن خريطة المدن المقاومة كما هو الحال مع الحسيمة أو صفرو أو بني ملال؟
مطالب من رحم التاريخ:
• إنشاء متحف وطني للمقاومة في تازة يخلد تاريخها ويحتضن أرشيفها.
• إدماج أسماء المقاومين في تسمية الشوارع والمؤسسات.
• تنظيم تظاهرات وطنية سنوية حول الذاكرة والمقاومة في المدينة.
• إعادة تأهيل المواقع الجبلية التي شهدت معارك كبرى وتحويلها إلى فضاءات تعليمية وسياحية.
• إصدار مؤلفات توثيقية حول دور تازة في جيش التحرير بالتعاون مع مؤرخين محليين.
تازة ليست فقط مدينة مهملة في الحاضر،بل أيضًا مقاومة منسية في الماضي. إذا كانت المقاومة تُقاس بالتضحيات، فإن لتازة دينًا في عنق الوطن لم يُسدد بعد.حان الوقت لتصحيح السرد،ورد الاعتبار لمن قاوموا ثم صمت عنهم الجميع.