أمريكا ولعب الأطفال

أمريكا ولعب الأطفال
خالد الصلعي : طنجة بريس
عندما تسند الأمور الى غير أهلها فانتظر الساعة ، والساعة هنا بمعنى الغضب أو الفوضى ، وهذا ما سقطت فيه الادارة الأمريكية الحالية بشكل مخجل ، يظهر مدى انحدارها الدولي في وقت هي في أمس الحاجة الى اعادة تأسيس صورتها .
واستئناسا بنظرية الشمولية في القضايا المصيرية ، سواء الفشل الشمولي او النجاح الشمولي ،التي ترافق مرحلة ما من مراحل حياة الدول ، وهذه النظرية تحتاج الى توضيح واشتغال عقلاني .
ان النظرية الشمولية تنكب اساسا على الانهيار الشامل لمنظومات الدول ، أو نجاحها كما سبق ، وفي حالة الولايات المتحدة المريكية ، فان مشروع قرارها جاء قفزة في حلم مزعج ، والأحلام المزعجة /الكوابيس تؤثر على النائم حتى في صحوه . فهو مشروع لا يستند الى أي مرتكزات قانونية على اعتبار أن اشكالية الصحراء المغربية يوطرها الفصل السادس من ميثاق هيأة الأمم المتحدة ، يتعلق بالقضايا السلمية ، وأي طرف انحاز الى السلاح تتم معاقبته دوليا لأنه خرج على الشعرية الدولية ولم يلتزم بمواثيقها . لأن النزاع البارد بين المغرب والبوليساريو بالوكالة يتأسس على مجموعة من التوافقات منذ اقرار وقف النار سنة 1991 باشراف المينورسو ، وهو ما استلزم اجراءات وقرارات وضوابط بين الطرفين المتنازعين ، والفقرة الثانية من المادة 36 من الفصل السادس تقول بالحرف :على مجلس الأمن أن يراعي ما اتخذه المتنازعون من إجراءات سابقة لحل النزاع القائم بينهم. ولم يسبق للمتنازعين أن تناقشا على مبدأ احترام حقوق الانسان ، الذي يعتبر مبدأ الزاميا يلزم الطرفين التقيد به ، فخرق حقوق الانسان محرم دوليا ومحليا ، شرعيا وقانونيا ، رغم ما نلمسه الآن من خروقات لهذه الحقوق في أكثر من منطقة دولية ووطنية . لكن النزاع حول الصراع في الصحراء يفرض علينا التقيد بخصوصية الملف ومعالجته كملف منفصل .
وهنا تكون سوزان رايس قد ورطت الولايات المتحدة الأمريكية في قضية يبدو انها تجهل خلفياتها وأبعادها وطبيعتها ، ويكون جون كيري قد بدأ سيرته الديبلوماسية في وزارة الخارجية بتأكيده على جهل بمهامه الخارجية لا يغتفر ن في ادارة تعمل على اادة النظر في مجموعة من الملفات التي أخفقت في تدبيرها ، مما فرض عليها الانسحاب من العديد من رهاناتها القديمة ، كملف صحراء مالي الذي فوضته الى فرنسا ، وملف الطائرات بدون طيار الذي شهد معارضة من داخل الكونغريس الأمريكي ، وملف كوريا الشمالية الذي أذعنت فيه لتهديدات شبل صغير يشحذ أسنانه الفتية ، وملف التنافسية الكونية مع العديد من الدول الناشئة وعلى راسها الصين ، دون الحديث عن الزمة المالية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية .
وقد كان الأجدر بالبيت البيض أن يراعي دقة المرحلة التي يجتازها قبل أن يذعن لمنظمة تشتغل تحت الطلب وبالدفع المسبق ، وهي منظمة كينيدي ، اذ هناك أكثر من آلية للضغط على المغرب في مجال حقوق الانسان ، كما ان خرق هذه الحقوق لا تمس المناطق الجنوبية للبلاد ، بل هي تغطي جميع مناطقه .
ولعل هناك اعتبارات عديدة كانت وراء تراجع الولايات المتحدة الأمريكية عن مشروعها ، منها ما هو ظاهر وجلي ومنها ما هو خفي ومحجوب ، لكن يمكن قراءته لمن يستطيع قراءة دوافع الحركات الارادية واللاارادية وحركات الشفاه عن بعد ، وما بين العبارات من فجوات ، وما وراء التعبير من مجاز .
ان تراجع الولايات المتحدة الأمريكية عن مشروعها حول توسيع مهام المينورسو لايعود الى انتصار الديبلوماسية المغربية التي لم تتغير استراتيجياتها ، ولا لكاريزما الحكام المغاربة ، بل يعود أساسا الى الحق الثابت للمغرب في أرضه والى تهافت المشروع ، وعشوائية تمريره ، والأهم ، الى خرق أهم صلاحيات البعثة الأممية حسب ما هو منصوص عليه القرار الذي يؤسس لمهمة البعثة ..
كما أن تهديد روسيا والصين باستخدام حق الفيتو ضد مشروع قرار الولايات المتحدة الأمريكية ،هو افشال مسبق لهذا القرار ، بالاضافة الى معارضة مجموعة من الدول الصديقة للخطوة الأمريكية العشواء ، والتفاف كل المغاربة الا شريحة قليلة لا تأثير لها على الساحة الشعبية والرسمية أوالمثقفة ، هذه كلها عوامل اجتمعت لاقبار مشروع قرار ،كان سيجعل العلاقات الاستراتيجية الأمريكية بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية تعرف منعطفا خطيرا في لحظة تاريخية فاصلة ، وهذا دليل على انحدار السياسات الأمركية ، ودخولها مرحلة الفتور والترهل .
لايمكن التحيز لفصيل تتهمه التقارير الدولية ، باستضافته لثلاث قيادات خطيرة للمجاهدين في مالي ، لذين توزعوا على مجموعة من دول الجوار ، في حين تتم معاكسة مصالح وحقوق دولة انحازت دون شروط الى محاربة الحركات الجهادية المتطرفة بمالي ، وفتحت أجواءها للطائرات الفرنسية طواعية ، انه تناقض لايمكن استصاغته او فهمه الا في ظل الارتباك والتخبط الشامل الذي بدأ يطبع مواقف الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرا . كما ان الخطوة الجريئة التي اتخذتها الدوائر المسؤولة في المغرب بالغاء المناورات العسكرية المشتركة بين قواته والقوات الأمركية كانت رسالة مباشرة وواضحة ، يمكن أن تعقبها مواقف أخرى أكثر جرأة وأكثر حدة . وما على النظام المغربي الا أن ينصت لصوت عصره ويمشي على هدي خطاه .
العودة عن الخطأ موقف حكيم ، والانحياز للخطأ خطأ عظيم ، وعلى الولايات المتحدة الأمريكية أن تعيد حساباتها جيدا ، أو بعبارة أدق على بعض مسؤوليها أن يعيدوا حساباتهم مرة اخر ، وبدقة في قضايا مثل قضية الصحراء المغربية العادلة ، لأن مواجهته ستكون مع الشعب ومع الشرعية ومع الحقائق التاريخية والجغرافية .



