بسبب سكوت وزير المالية عن ظاهرة ابتزاز المسؤولين تمرد فاشل ضد أحد أنجح المدراء الجهويين للضرائب



عبد القادر زعري – طنجة بريس

وكأنها بوادر سلسلة من التمردات ستعرفها الوظيفة العمومية، على شاكلة التمردات التي عرفها المغرب في العهد الاستعماري، حينما كان كل “قايد” يجمع فرسانه والنزوح إلى العاصمة والاعتصام لإجبار السلطان على منحه سلطة أو تقسيمها مع “قايد” مجاور له في القبيلة.

نحن في أصعب مرحلة تمر بها خزينة البلاد، وفي أكثر القطاعات حساسية بالنسبة للدولة، والأمر يتعلق بالمديرية العامة للضرائب، التي تقود حربا ضد انعكاسات كورونا على المجهود العام للدولة، بجميع مدرائها ومسؤوليها وحتى نقاباتها وفي وعامة موظفيها ومستخدميها. وهذا موقف يسجله المغرب لجميع أبناءه كل حسب موقعه.

لكن في الوقت الذي كان فيه الجميع يتوقع سلسلة من التعيينات في مناصب سامية، تدفع بها الوزارة جيلا من الكفاءات أبانوا عن وطنيتهم وعلو كعبهم في تغذية خزينة الدولة واستخلاص حقوقها مع احترام مبادئ العدالة الجبائية والحفاظ على علاقة طيبة مع المحيط الاقتصادي والاجتماعي العام، قرر مجموعة من الموظفين “الغاضبين” منتمون إلى المديرية الجهوية للضرائب بأكادير، أن يركبوا قارب مغامرة ليس لها سابقة في تاريخ الإدارة الضريبية ولا حتى تاريخ الوظيفة العمومية.

فقد دعى هؤلاء ومن تحت غطاء نقابي معين، إلى الصعود للعاصمة والتظاهر والاعتصام. … التظاهر لماذا ؟ التظاهر لأن اثنين منهم أو ثلاثة لازالوا غاضبين ومنذ شهور من عدم الحصول على “مسؤولية” ضمن الهيكلة الروتينية العادية التي يقوم بها المدراء الجهويون بصفة روتينية، كما يتم في كل إدارات العالم.

وما هو المطلب الذي سيتم رفعه ؟ المطلب هو إزاحة شخص المدير الجهوي بأكادير.والسبب هو أنه رفض ولدواعي مهنية منح فلان وفلان من مسؤولية بعينها، وكأننا في مطعم والمدير الجهوي هو صاحبه، والقانون يفرض عليه مراعاة أذواق الناس.

فمن هو المدير الجهوي للضرائب بأكادير ؟

المدير الجهوي للضرائب بأكاديرهو السيد سعيد ورشاكوا، حامل الرقم القياسي الوطني سنة 2019 من حيث نسبة النمو في تحقيق مداخيل الخزينة الضريبية، وهو أول المدير الجهوي الذي انفرد برمزية تعظيم الموظفات السيدات الأمهات. وهو أول من دشن تقليدا بمقتضاه سيتم تعميم فتح حضانات لأبناء الموظفين بالمقرات الجهوية للضرائب بصفة رسمي، وبعدها لا يُستبعد تعميمالتجربة الناجحة على جميع الإدارات العمومية.وبسبب ما تعرض له من ابتزاز وصموده ضد هاته الممارسات، اكتسب باقي المدراء الجهويون بالمملكة ثقة يستحقونها في في امتلاك زمام المبادرة وبصفة فريدة في تدبير الموارد البشرية على الصعيد الجهوي. فئة المدراء الجهويون لا يدافع عنها أحد غير الله، كانت تتعرض لمحاولات الابتزاز. لكن وبسبب مدير أكادير تأكد هؤلاء أن المصالح المركزيةلا تمزح، وأن التاعيينات جهويا صارت اختصاصا حصريا لهم ، وهو اختصاص لا يقابله إلا مبدأ تحمل المسؤولية بكامل شروطها، والمحاسبة على المردودية.

كل هذا ساعد في ضبط الاستقرار والتوازن والهدوء عبر مجموع إدارات الضرائب بالمملكة، وساعد على الدفع بمبدأ تكثيف التواصل والرفع من وثيرته بين الرؤساء والمرؤوسين خدمة للصالح العام، والتقليص من حدة التوترات إلى أبعد حدود. وانخراط التمثيليات النقابية في دعم المجهود الوطني العام. وهنا نتذكر نجاح تجربة طنجة التي ساهمت فيها كل من تمثيلية النقابة والإدارة الجهوية بروح عالية المستوى، بعد انتباه المدير الجهوي السابق إلى أن عداد التواصل لديه كان متوقفا أو به عطب.



ونعود إلى نموذج الانفلات الذي استغرب له المهتمون بالشأن النقابي، ونقول:المدير الجهوي لأكادير شاب عجنته الخبرة بالكفاءة وسجل من التجارب، وهو يحمل على صدره وسام تشريف أدبي من عموم موظفيه واحترام وتقدير من كافة الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين بجهة أكادير سوس.وطبعا لكل نجاح ضريبة.

والعناصر التي دعت للتظاهر والاعتصام كحل يائس لخروجها من العزلة الاختيارية التي وجدت نفسها فيه، وبعد اكتشافها لخطورة الإقدام على هاته المغامرة، سارعت إلى إعلان التراجع في آخر لحظة بادعاء مفاده أن السبب هو عدم الحصول على ترخيص السلطات.وكأن الرخصة إن سُلمت، فسيكون ذلك بابا شرعيا ومشروعا لتعميم الفوضى والبلبلة ونشر التمردات ذاخل وأمام كل إدارات الدولة، والرخصة هل كانت ستعني أن شوارع المملكة ستصبح مسرحا بحيث يمكن لكل من هب ودب أن يصعد للرباط ويعلق صور كل مسؤول لم يعجبه أو لم يخضع له أو لم يكن على هواه.

متى كان العمل النقابي يسمح بهذه الأمور ؟ ومتى كانت أسماء مسؤولي الدولة يتم تداولها في الشوارع والمظاهرات والاعتصامات ؟ ومتى كانت تعيينات مسؤولي الإدارات تتم على حسب الحشود التي يجمعونها في الساعات العمومية ؟ هل نحن في قطاع الوظيفة العمومية التي ينص مطلعها أن الموظف رهن إشارة الدولة في أي منصب وفي أي مركز وفي أي مكان، أم نحن في الثورات.

من حق كل موظف أو كل مواطن الانتماء نقابيا أو سياسيا أو جمعويا. لكن المغرب أمام حرب ضد كورونا، والمديرية العامة للضرائب في قلب المعركة، وأعمدة هاته الإدارة الحيوية هم مدراؤها الجهويون، والنضال النقابي له تقاليد، لكن أيضا في الأزمات تظهر حقيقة الأشياء. وقميص الفريق إن حمله لاعب رذيء فاللعب بعشرة أو تسعة أو حتى الاعتذار أحسن من لاعب ولاعبين وثلاثة لا يدرون في أي اتجاه يقذفون الكرة، وعدم اللعب أصلا أحسن وبكثير من اللعب بالنار.بالنسبة لموقف الإدارة ما يهمنا في الأمر هو أن وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الوظيفة العمومية، كما ذكرنا في مناسبات سابقة، عليه الخروج من صمته إزاء الإدارة العامة للضرائب، والعمل على تعيين مدير عام جديد، في مستوى تطلعات المسؤولين الشباب التي تزخر بهم هاته المؤسسة، وأن تكون مهمة المدير العام الجدير الخاصة التي صار الظرف يتطلبها هي:

أولا: دعم الكفاءات الحيوية الشابة ممن احتكوا بالواقع وأعطوا نتائج ملموسة لهذا البلد.

ثانيا: منح المدراء الجهويين صلاحيات واسعة في الميدان الجبائي باعتبار الظرف الصعب الذي تمر منه خزينة الدولة.

ثالثا: التفكير في إيجاد حل قانوني لحالات الابتزاز التي قد يتعرضون لها والتي صارت تتلون وتزداد تعقيدا.

رابعا: إجبار الجميع على الرفع من وتيرة مبدأ التواصل الدائم مع كل مكونات الجسم الوظيفي وزجر المساس باحترام التراتبيات الإدارية التي صارت العودة إليها مطلبا ملحا من طرف المسؤولين، وفي العديد من القطاعات الإدارية

طنجةبريسhttps://tangerpress.com/news-20337.html




شاهد أيضا


تعليقات الزوار