التبرع بالدم وتبني هموم الناس ثقافة ينبغي أن تشيع… !

التبرع بالدم وتبني هموم الناس ثقافة ينبغي أن تشيع… !
(وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)
المجتمع الإسلامي في تركيبته الواقعية مجتمع متلاحم، يسد فيه الغني حاجة الفقير من غير طلب عبر الإحسان الإلزامي من زكاة وغيرها، وعبر الإحسان الاختياري من تبرع بكافة أشكاله وأنواعه، ويساند فيه القوي الضعيف فيمشي في حاجته ويبذل قوته فيها، حتى لأن الشرع عد حمل الثقل مع المسلم على ظهر دابته صدقة يؤجر عليها، وأن المشي في حاجة المسلم أفضل من الاعتكاف للعبادة، فعن ابن عُمَر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لأَنْ أمشي مع أخ في حاجة، أحبّ إليَّ مِن أن أعتكف في هذا المسجد -يعني مسجد المدينة- شهرًا)[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (13646) عن ابن عمر.]، وقد صور الرسول عليه الصلاة والسلام هذا التلاحم والتماسك بين أفراد المجتمع الإسلامي بقوله: (مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمِهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسَّهَر والحُمَّى).[رواه البخاري ومسلم]، فهذا المجتمع الواقعي- نقول الواقعي لأن حضارتنا الإسلامية عاشته تجربة واقعة في أزهى عصورها – الموصوف بالجسد الواحد تتجلى فيه العدالة الاجتماعية في أرقى صورها، لأنه إلى جانب قيام هذا المجتمع بفروضه العينية الواجبة عليه، يتعداها إلى الواجبات الكفائية، فالإنسان المسلم “يترتب عليه -من ضمن ما يترتب عليه من الواجبات- ومنذ اللحظة، التي يلتزم فيها بتعاليم الدين الإسلامي، أن يتكافل مع المسلمين الآخرين، وأن يتعاون معهم، وأن يتبنى همومهم، ومشاكلهم، وأن يسعى معهم إلى حلها، قدر استطاعته.. وهذا التعاون، والتكافل، والتبني المتبادل، للمشاكل والهموم، هو الذي يفضي بالمؤمنين إلى حالة الجسد الواحد المتماسك القوي”.
ولنا في روائع حضارتنا الإسلامية تطبيقات للتبرع وتبني هموم الناس تند عن الحصر، ويقف القلم المعاصر مدهوشا في وصفها وتحليل تركيبتها، لكننا اليوم رغم تنامي الحركات الإسلامية، ومستوى تدين الشارع المغربي نرى انحسارا في أوساط المسلمين في تبني هموم إخوانهم، والتبرع لهم بما استخلفهم الله فيه من رزق الدنيا، فما هي الأسباب يا ترى في هذا الإنحسار؟
يُرجع الدكتور أحمد عبادي الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء أسباب هذا الإنحسار في كتابه القيم (الإسلام وهموم الناس) إلى؛ أسباب عقيدية: فالأمة انبثقت، من عقيدة التوحيد الجامعة، التي رسمت الخطوط الأساسية، والأُطُر العامة، التي يُهتدى بها، في عملية تأسيس البناء، فهذه العقيدة، هي التي وضعت مبادئ النظم، وقواعدها، وحددت مجالات الممارسة، والحركة، لتكون الدولة نتاجًا، ومحصلة طبيعية، لهذا المجتمع العقيدي، ومن ثم كان من البديهي، أن تلتزم الدولة، بأساس وجودها العقيدي، الذي قام عليه المجتمع، واستقام على طريقته، ويعني هذا، أن تجعل الدولة غايات حركتها وممارستها السياسية، نابعة من الغايات، التي تحددها وتوجبها العقيدة، وبالتالي تصبح الدولة (أداة) أو (وسيلة) لتحقيق الغايات، التي حددتها العقيدة، لوجود الفرد والمجتمع، من خلال ترجمتها، في عمليات، وأدوار متميزة، ووظائف محددة.وقد أدى غياب هذه الأمور، إلى شلل المجتمعات الإسلامية، فكان من آثار ذلك، انحسار خُلُق تبنِّي هموم الناس، من واقعنا.
وأسباب تربوية: فالأسرة تمثل النواة الأولى، لتخريج الإنسان الصالح، إلا أننا نلحظ أنها في أوطاننا، معطلة ، مهملة ، من كل توجيه، إلا ما ندر جدًا، فانكمشت وظيفتها في الإيواء، والإطعام، والمداواة، والكسوة، والدفع إلى المدرسة، في أحسن الحالات، على وجود تربية عكسية، تدرب بصرامة على الخنوع، وقبول القمع والاستبداد، واتهام النفس في كل حال، بحق، وبغير حق، فالأب يستبد بالجميع، والأم بعده، والذكور بالإناث، ثم الكبير فالكبير.. وحتى مناهج التعليم، ومنذ الكُتَّاب، تُعطى’ المشروعية العليا فيها ، للعنف والرعب ، وليس للتفهيم، والأخذ بالحسنى.
وأسباب تصورية: ذلك أن الإسلام دين واقعي، تتجلى واقعيته في تصوراته للإنسان، والكون، والحياة، وتتجلى في تشريعاته.. فالإسلام ينص على أن القدرة، هي حد التشريع، الذي يقف عنده، فلا يتحرك إلا معها، فإذا انتهت القدرة، وقف التشريع حيث هو، لا يتقدم، ولا يتأخر: {لا يُكَلِّف الله نفسًا إلا وسعها } (البقرة:286)، {فاتقوا الله ما استطعتم } (التغابن:16)، فليس هناك ضيق على الإنسان في التشريع، بل هو المجال الواسع، الذي يجعله يتحـرك براحة وحرية، فإذا ضاق عليه حكم، وَسِعَه آخر، فهناك قاعدة نفي الحرج: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (الحج : 78)، وقاعدة: (الضرار يزال)، وقاعدة: (لا ضرر ولا ضرار )، وقاعدة: (الأمر إذا ضاق اتسع). فلما اصيب هذا التصور بالغبش والخلل انحسر خلق تبني هموم الناس.
وأسباب فقهية: وذلك أن فقه المشاركة في أمتنا، لم يأخذ حظه الكافي، من التنظير والبسط، شأن فقه المجتمع، فتراثنا الفقهي، يشهد بأن الأول، كان الاهتمام به ضافيًا، على حساب الثاني، مما جعل البُعد التنظيمي للمشاركة، في هموم المجتمع، وتحمل مسؤوياته، يكون ضامرًا، الأمر الذي ترك هذه الممارسة، لأريحية الأفراد، دون أن يضبطها ضابط، من تنظيم وتقنين، يجعلها أكثر فاعلية واستمرارية.
وأسباب واقعية: وتتجلى في الاستبداد : فالمستبد يرى الآخرين أقل منه شأنًا، ودرجة، ووعيًا، إما بدافع سيادة وتأله، أو بدافع غيرة وأبوة، النتيجة على كل حال واحدة، إذ ينتج عن الدافعين معًا، نوع إحساس بالاستغناء، عن الآخرين، ونصحهم، ومشورتهم، وتجاهل لإرادتهم، وطموحهم، وهذا شعور، يشكل المدخل الأوسع إلى الطغيان، يقول الله عز وجل: {كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} (العلق:6-7).
والفرقة : حيث إن ما حدث في العالم الإسلامي، من تمزيع، وتفريق، من لدن الغرب، لم يكن سوى تثمير لخميرة الفُرقة، التي وجدت في الأمة، من جراء، ترهل شبكة العلاقات الاجتماعية، التي كان سداها ،ولُحُمتها، التوجيهات، والأخلاق، والقيم الإسلامية.
كل هذه الأسباب مجتمعة أدت إلى انحسار فقه التبرع باعتباره قيمة مجتمعية وركيزة أساسية من ركائزه، وإلى انحسار خلق تبني هموم الناس باعتباره أيضا قيمة من قيم العطاء والبناء في وقت واحد، إننا اليوم في حاجة ماسة إلى العمل على إعادة هذه الثقافة إلى الواجهة عبر حملات تحسيسة على جميع الأصعدة وبكل الوسائل المتاحة، وإننا لنرى في الخطوة التي أقدم عليها جلالة الملك محمد السادس نصره الله في إعطاء الانطلاقة لحملة التبرع بالدم، وما يقوم به في الميدان الاجتماعي الخيري مثالا ينبغي أن يقتدي به أصحاب رؤوس الأموال الضخمة ممن تصنفهم الإحصائيات على رأس الأغنياء بالبلد.
د.يوسف الحزيمري



