بلاغ الجمعية المغربية لمفتشي التعليم الثانوي

بلاغ الجمعية المغربية لمفتشي التعليم الثانوي

أصدرت الجمعية المغربية لمفتشي التعليم الثانوي بلاغا تفاعلا مع الخطاب الملكي الأخير: (( إن الجمعية المغربية لمفتشي التعليم الثانوي من موقع مسؤوليتها كفاعل أساسي ضمن هيئات المجتمع المدني مهتم بالشأن التربوي الوطني، تابعت باهتمام كبير مضامين الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى الستين لثورة الملك والشعب في 20 غشت2013 ، الذي شخص بدقة اختلالات منظومة التربية والتكوين، سواء في المدرسة العمومية أو الجامعة ، وحمل انتقادات قوية وصريحة لتدبير قطاع التعليم، تتقاطع مع مواقف الجمعية المغربية لمفتشي التعليم الثانوي حول قطاع التربية الوطنية، والتي عبرت عنها في الكثير من بلاغاتها وبيانات أجهزتها التقريرية، حيث نبهت أكثر من مرة إلى خطورة المنعطف الذي أصبحت يتوجه نحوه قطاع التعليم الثانوي عموما، وملف وقضايا هيئة التفتيش التربوي على الخصوص.

إن مواقف الجمعية المغربية لمفتشي التعليم الثانوي بخصوص قضايا منظومتنا التربوية ظلت واضحة وثابتة، وحذرت في حينه من التراجع عن المكتسبات التي تم تحقيقها في ظل الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وتجميد الدينامية المتميزة التي طبعت أشغال المجلس الأعلى للتعليم، فضلا عن هيمنة الرأي الأحادي المستبعد لكل مقاربة تشاركية، وعبرت عن رفضها ” أي ارتجال أو تسرع في معالجة القضايا المرتبطة بالمشاريع البيداغوجية في غياب مقاربة علمية شاملة، تستحضر المتطلبات الحقيقية للمدرسة المغربية، وتضع مصلحة المتعلم فوق كل اعتبار، وتضمن استقرار المنظومة التربوية وتماسكها بما يستجيب لمتطلبات المجتمع المغربي وتنميته اقتصاديا واجتماعيا وتربويا وفكريا”(بيان مجلسها الوطني المنعقد يوم 10/03/2012). ولعل الخطاب الملكي كان أكثر وضوحا حين عبر عن أسفه على عدم تعزيز مكتسبات البرنامج الاستعجالي، بل والتراجع “دون إشراك أو تشاور مع الفاعلين المعنيين، عن مكونات أساسية منه، تهم على الخصوص تجديد المناهج التربوية، وبرنامج التعليم الأولي، وثانويات الامتياز”.

إذا كانت الجمعية المغربية قد ساهمت بدور وازن في تعزيز نفس الإصلاح عبر انخراط متميز وحثيث لمفتشي التعليم الثانوي في تفعيل مختلف مشاريع إصلاح منظومة التربية والتكوين ومن بينها مشاريع البرنامج الاستعجالي، فإنها لم تتوان عن الدعوة إلى التقييم العلمي والموضوعي لنتائج هذا الأخير، رافضة تجاوزه دون تقديم البديل المناسب أو ترك المجال مفتوحا على مصراعيه لتبني أي خطة إصلاحية لا تستند إلى مقاربة بيداغوجية رصينة في إطار مقاربة تشاركية.

إن قضايا التربية والتكوين من منظور جمعيتنا، ليست في حاجة إلى قرارات انفرادية متسرعة محكومة بـ”مزايدات أو صراعات سياسوية”، ولكن إلى رؤية استراتيجية بمنطق سياسي وطني مسؤول، بعده الأساس ربط التعليم بمنظور تنموي مندمج. ولن يتأتى ذلك إلا باستحضار تأهيل العنصر البشري وتحسين العرض التربوي ونهج الحكامة الجيدة في تدبير المنظومة، وفقا للمحددات التي نص عليها دستور 2011، بإشاعة ثقافة جديدة قوامها الشفافية والتشارك والمراقبة وتدعيم الأخلاقيات، مع توفير متطلبات ذلك في إطار مراجعة متدرجة، تضع ضمن أولوياتها إرجاع الثقة إلى المدرسة المغربية لتضطلع بوظائفها، وتسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

إن تطوير منظومتنا التربوية، وتجاوز إشكالياتها يقتضي تشاركا فعالا، وانخراطا متواصلا، وتتبعا دائما وتقويما مستمرا لقضايا المنظومة والسياسة التعليمية، على مستوى المناهج والبرامج ودعم التعلمات والتقويم والتكوين والبحث والتدبير والحكامة، وهو ما عبرت ودافعت عنه باستمرار الجمعية المغربية لمفتشي التعليم الثانوي؛ لكن هذه الدعوات قوبلت في كثير من المناسبات بتهميش جهاز التفتيش وأدواره، وبتعطيل آليات اشتغاله وبنياته الوظيفية من طرف الوزارة التي ابتعدت عن منطق الإشراك والتشارك، متجاوزة كل التراكمات والمكاسب لتتوجه حاليا نحو تفعيل ما سمي بـ”مشروع تنظيم جديد للتفتيش” بشكل أحادي ومتسرع، مما أدى إلى استشراء مشاعر الخيبة والقلق في صفوف الهيئة، بسبب قصور هذا التصور وعدم توافقه مع مقتضيات الميثاق الوطني، ولا يجسد الدور الاستراتيجي لهيئة التفتيش التربوي في تقويم أجهزة منظومة التربية والتكوين وتحسين جودتها، بل يتراجع عن عدة مكتسبات ناضلت من أجلها هيئات التفتيش مند سنوات.
لقد عبرت الجمعية (في بيان مجلسها الوطني بتاريخ 28/04/2013) عن “رفضها لكل هيكلة تنظيمية لهيئة التفتيش التربوي تنجز دون إشراكها وإشراك ممثلي هذه الهيئة من نقابات وجمعيات مهنية”، كما استغربت الجمعية من عدم تقييم الهيكلة الحالية المتوافق عليه وطنيا بين الوزارة والجمعيات المهنية ذات الاختصاص والنقابات التعليمية الأكثر تمثيلية منذ سنة 2004، للوقوف على مدى نجاعتها وما حققته والإكراهات التي رافقت أجرأتها. وهذا يتعارض مع دعوة الخطاب الملكي الأخير إلى ضرورة “استثمار التراكمات الإيجابية في قطاع التربية والتكوين، باعتباره ورشا مصيريا، يمتد لعدة عقود، ذلك أنه من غير المعقول أن تأتي أي حكومة جديدة بمخطط جديد خلال كل خمس سنوات، متجاهلة البرامج السابقة..”.
وفي البيان العام لمؤتمرها الثاني عشر(12) المنعقد يومي 31 ماي و01 يونيو 2013 اعتبرت الجمعية أن “رد الاعتبار لهيئة التفتيش يستدعي التحليل الرصين والهادئ لمنظومة التفتيش، والحوار العقلاني مع كل مكونات هيئة التفتيش التربوي، بهدف بلورة دورها الاستراتيجي وتفعيل الاستقلالية الوظيفية الضرورية للهيئة، وفقا لما جاء في الميثاق الوطني للتربية والتكوين والوثيقة الإطار لتنظيم التفتيش ورأي المجلس الأعلى للتعليم”، وهذا ينسجم مع تذكير الخطاب الملكي “بأهمية الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي تم اعتماده في إطار مقاربة وطنية تشاركية واسعة” وكذا مع دعوته إلى “الإسراع بإقرار النصوص القانونية المتعلقة بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي”.
لكل ما تقدم، فإن الجمعية المغربية لمفتشي التعليم الثانوي تجدد توصية مؤتمرها الأخير بضرورة فتح نقاش وطني حول راهن المنظومة التربوية المغربية ومستقبلها، والتراجع عن الإجراءات والقرارات التي تستهدف تهميش هيئة التفتيش التربوي بالتعليم الثانوي في بناء القرارات البيداغوجية التي تدخل في اختصاصاتها، اعتبارا لكون “الوضع الراهن لقطاع التربية والتكوين يقتضي إجراء وقفة موضوعية مع الذات، لتقييم المنجزات، وتحديد مكامن الضعف والاختلالات” (خطاب 20 غشت 2013)، ومن ضمنها ملف تنظيم التفتيش التربوي الذي حظي بمحاولات المراجعة والتطوير في العديد من محطات إصلاح المنظومة التربوية بالمغرب، وذلك اعتبارا لمكانة هيئات التفتيش وموقعها في منظومة التربية والتكوين، ودورها في خدمة جودة التعلمات والارتقاء بالموارد البشرية كمدخل حاسم لإصلاح المنظومة التربوية وإعادة الاعتبار إلى المدرسة المغربية.

وفي الختام تعبر الجمعية المغربية لمفتشي التعليم عن استعدادها التام كجمعية مهنية في إطار التعاقد الواضح والمسؤول، وانطلاقا من المقاربة التشاركية التي نص عليها الدستور المغربي، للإسهام الفعلي والناجع في أوراش مواصلة إصلاح منظومة التربية والتكوين، انطلاقا من تجربتها وتراكم أدبياتها وخبرة أطرها ومنخرطيها، على غرار إسهاماتها الوازنة سابقا انطلاقا من اللجنة الوطنية المختصة بدراسة قضايا التعليم بداية التسعينيات، مرورا باللجنة الخاصة للتربية والتكوين التي أسفرت أشغالها عن بلورة الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وكذا فعاليات المجلس الأعلى للتعليم وانتهاء بأوراش تجديد نفس الإصلاح)).



شاهد أيضا
تعليقات الزوار