د/ الحسين بكار السباعي: رقابة المحكمة الدستورية على مشروع قانون المحاماة بالمغرب رقم 66/23

رقابة المحكمة الدستورية على مشروع قانون المحاماة بالمغرب رقم 66/23
وفي إطار النقاش المتعلق بمشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة، والذي أثارت بعض مواده عددا من الإشكالات الدستورية والمبادئ الكونية المتعلقة بممارسة المهنة ، خاصة المواد 76 و77 و78 و131 و132. وكذلك مواد هامة من اتفاقية هافانا التي صادق عليها المغرب.
وتتعلق هذه الإشكالات بالأساس على أربع محاور وهي:
1- مدى إحترام المقاربة التشاركية في إعداد المشروع.
2- إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لمراقبة المجلس الأعلى للحسابات.
3- مدى إحترام التنظيم الذاتي لهيئات المحامين.
4- ضمان حرية المحامي أثناء المرافعة وحمايته من المتابعة بسبب أداء مهامه المهنية.
وتهدف هذه القراءة إلى دراسة هذه المواد في ضوء مقتضيات دستور المملكة لسنة 2011، إضافة إلى المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، المعتمدة بإتفاقية هافانا لسنة 1990.
أولا: في المقاربة التشاركية لإعداد مشروع القانون رقم 66/23
لقد كرس دستور سنة 2011 مبادئ الديمقراطية التشاركية، ونص على مساهمة الجمعيات والمنظمات المهنية في إعداد السياسات والقرارات العمومية.
وينص الفصل الأول من الدستور على أن النظام الدستوري للمملكة يقوم على الديمقراطية المواطنة والتشاركية، كما ينص الفصل 12 على مساهمة الجمعيات والمنظمات غير الحكومية في إعداد قرارات ومشاريع المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية.
كما ينص الفصل 13 على إحداث هيئات للتشاور من أجل إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتنفيذها وتقييمها.
وبالنظر إلى أهمية مشروع القانون رقم 66.23 وتأثيره المباشر على مهنة المحاماة، كان من الضروري إشراك جمعية هيئات المحامين بالمغرب ومختلف الهيئات المهنية في جميع مراحل إعداد النص.
كما لا يعني إشراك الهيئات المهنية منحها سلطة التشريع أو حق الاعتراض النهائي على القانون، لأن السلطة التشريعية تعود إلى البرلمان. غير أن التشاور الجدي يساعد على إعداد قانون متوازن وقابل للتطبيق ويحترم طبيعة المهنة.
و نرى أنه في حال ثبوت إقصاء الهيئات المهنية أو عدم منحها فرصة حقيقية لتقديم ملاحظاتها، يمكن اعتبار ذلك مخالف لروح المقاربة التشاركية التي أقرها الدستور.
و مع ذلك، يبقى الدفع المتعلق بغياب المشاركة مرتبط بإثبات وجود خرق واضح لإجراء دستوري أو قانوني واجب التطبيق. أما عدم الأخذ بجميع مقترحات المحامين، فلا يؤدي وحده إلى عدم دستورية المشروع.
ثانيا: مراقبة حساب ودائع وأداءات المحامين.
تنص المادتان 76 و77 من المشروع على تنظيم حساب ودائع وأداءات المحامين، مع إسناد مهمة مراقبته إلى المجلس الأعلى للحسابات.
ومعلوم أن هذا الحساب خصص لإيداع الأموال التي يتسلمها المحامي لفائدة موكليه أو الأغيار، مثل التعويضات والمبالغ المحكوم بها والمصاريف والأتعاب.
1. في طبيعة الأموال المودعة:
الأموال الموجودة في هذا الحساب تعود في الأصل إلى الموكلين أو إلى أشخاص آخرين، ولا تدخل ضمن أموال الدولة أو المؤسسات العمومية أو الجماعات الترابية.
وينص الفصل 147 من الدستور على أن المجلس الأعلى للحسابات يتولى مراقبة المالية العمومية، ومراقبة تنفيذ قوانين المالية، والتحقق من سلامة عمليات المداخيل والمصاريف المتعلقة بالأجهزة الخاضعة لرقابته.
ومن هنا يطرح السؤال التالي:
هل يجوز إسناد مراقبة أموال خاصة تعود إلى الموكلين والأغيار إلى مؤسسة دستورية متخصصة أساسا في مراقبة الأموال العمومية؟
يرى البعض أنه يمكن إعتبار هذا الإختصاص توسع في مهام المجلس الأعلى للحسابات، خاصة أن الأموال موضوع المراقبة لا تدخل ضمن الميزانية العامة.
وفي المقابل، قد يتم تبرير هذا الإختصاص بضرورة حماية أموال المتقاضين وضمان الشفافية ومنع الاختلاس أو سوء التدبير.
ونرى أن دستورية هذا المقتضى من عدمها تتوقف على حدود الرقابة وطريقة ممارستها والضمانات الموضوعة لحماية أصحاب الأموال.
2. حماية السر المهني:
قد تتضمن حسابات ودائع المحامين معلومات مرتبطة بأسماء الموكلين، وطبيعة القضايا ومبالغ التعويضات والتسويات المالية والأتعاب والمصاريف.
والاطلاع الواسع على هذه المعلومات قد يؤدي إلى المساس بالسر المهني الذي يعد من أهم ضمانات العلاقة بين المحامي وموكله. وهنا نعود إلى المبدأ 22 من مبادئ هافانا والذي يؤكد على ضرورة إحترام سرية جميع الإتصالات والمشاورات التي تتم بين المحامين وموكليهم.
لذلك يجب أن تقتصر المراقبة على التحقق من سلامة العمليات المحاسبية، دون الإطلاع على المعلومات غير الضرورية المتعلقة بالقضايا والموكلين.
كما يجب أن يتضمن القانون ضمانات واضحة، من بينها:
– حماية هوية الموكلين.
– منع استعمال المعلومات في أغراض أخرى.
– تحديد الأشخاص المخول لهم الاطلاع على الحسابات.
– إحترام قواعد حماية المعطيات الشخصية.
– ترتيب المسؤولية عند إفشاء المعلومات المهنية.
– تمكين الهيئات من الطعن في طلبات المعلومات غير المبررة.
وبدون هذه الضمانات، يمكن أن تتحول الرقابة المالية إلى وسيلة تمس بإستقلال المحامي وسرية علاقته بموكله.
ثالثا: التنظيم الذاتي لمهنة المحاماة:
تتعلق المادتان 131 و132، إلى جانب مواد أخرى، بشروط الترشح لعضوية مجالس الهيئات، وعدد الولايات وطريقة الانتخاب وتوزيع المقاعد.
ويعد التنظيم الذاتي من أهم المبادئ المرتبطة باستقلال مهنة المحاماة. ويقصد به أن يتولى المحامون إنتخاب أجهزتهم وتدبير شؤونهم المهنية، في إطار القانون ودون تدخل إداري مباشر.
وينص المبدأ 24 من مبادئ هافانا على حق المحامين في تكوين رابطات مهنية مستقلة تنتخب أجهزتها التنفيذية من طرف أعضائها وتمارس مهامها دون تدخل خارجي.
1. سلطة المشرع في تنظيم المهنة:
يملك المشرع صلاحية وضع القواعد العامة المتعلقة بتنظيم المهن، خاصة المهن المرتبطة بالعدالة. ويمكنه تحديد مدة ولاية النقيب وأعضاء المجلس، ووضع شروط الأقدمية والخبرة، وتحديد بعض قواعد الانتخاب.
غير أن هذه السلطة يجب أن تمارس بطريقة تحترم ادإستقلال الهيئات وحق المحامين في إختيار ممثليهم.
2. شروط الترشح وعدد الولايات:
قد يكون تحديد عدد الولايات وسيلة لتجديد المسؤوليات ومنع احتكار المناصب المهنية.
غير أننا نرى أن المنع الدائم من الترشح بعد ولايتين قد يكون قيدا واسعا خاصة إذا لم يسمح للمحامي بالترشح من جديد بعد مرور مدة زمنية محددة.
كما أن إشتراط مدة طويلة من الأقدمية للترشح لمنصب النقيب قد يؤدي إلى تقليص عدد المرشحين وحرمان فئات واسعة من المحامين من المشاركة.
ولهذا يجب أن تكون شروط الترشح مرتبطة بالخبرة والكفاءة وحسن السيرة وأن تكون متناسبة مع طبيعة المسؤولية.
كما يجب ترك مجال للهيئات المهنية لتنظيم بعض التفاصيل المتعلقة بالإنتخابات، عن طريق أنظمتها الداخلية مع خضوعها للرقابة القضائية عند وجود مخالفة للقانون.
3. تدخل النيابة العامة
يثير منح النيابة العامة صلاحيات واسعة للطعن في الأنظمة الداخلية أو القرارات المهنية سؤالا حول حدود الرقابة على الهيئات.
فالرقابة القضائية على قرارات الهيئات ضرورية لحماية الحقوق وضمان احترام القانون، غير أنها يجب أن تبقى رقابة قانونية تمارس أمام القضاء.
أما التدخل المباشر والمستمر في تدبير الانتخابات والشؤون الداخلية فقد يؤدي إلى إضعاف التنظيم الذاتي للمهنة.
ونرى أن الحل المتوازن يتمثل في منح الهيئات حرية تدبير شؤونها، مع تمكين كل متضرر والجهات المختصة من اللجوء إلى القضاء للطعن في القرارات المخالفة للقانون.
رابعا: حصانة المحامي أثناء المرافعة:
تنص المادة 78 على حق المحامي في اعتماد الطريقة التي يراها مناسبة للدفاع عن موكله، في حدود القانون وأخلاقيات المهنة.
كما تعفيه من المسؤولية عن الأقوال والكتابات التي تقتضيها ممارسة حق الدفاع.
غير أن المادة أعلاه تسمح بتحرير محضر في حق المحامي إذا صدر عنه سب أو قذف أو إهانة أو أي فعل يخل بنظام الجلسة أو يعطل إستمرار أشغالها.
1. غموض عبارة الإخلال بنظام الجلسة:
إن الحفاظ على النظام داخل المحكمة أمر ضروري لضمان السير العادي للجلسات وادإحترام القضاء والمتقاضين.
غير أننا نرى أن إستعمال عبارة «أي فعل يخل بنظام الجلسة أو يعطل استمرار أشغالها» هو إستعمال فضفاض لعبارة واسعة قد تخضع لتفسيرات مختلفة.
فيمكن أن يعتبر رئيس الجلسة إصرار المحامي على إثارة دفع معين أو طلبه تسجيل ملاحظة في المحضر نوع من أنواع تعطيل الجلسة، بينما يرى المحامي أن ذلك يدخل ضمن واجبه في الدفاع.
ويؤدي غياب الحدود الواضحة بين ممارسة الدفاع والإخلال بالنظام إلى تردد بعض المحامين في تقديم دفوع قوية أو الإعتراض على إجراءات يرونها مخالفة للقانون وهو إضعاف لقوة الدفاع ومس بشروط المحاكمة العادلة.
كما أن هذا الوضع قد يؤثر على حقوق الدفاع التي يضمنها الفصل 120 من الدستور.
2. حماية المحامي من المتابعة غير المبررة:
تنص مبادئ هافانا على ضرورة تمكين المحامين من أداء وظائفهم دون ترهيب أو مضايقة أو تدخل غير مشروع.
كما ينص المبدأ 20 على حماية المحامين من المسؤولية المدنية والجنائية بسبب التصريحات المرتبطة بالقضايا التي يدافعون فيها عندما تصدر منهم بحسن نية أثناء المرافعة أو ممارسة العمل المهني.
ولا تعني هذه الحماية السماح للمحامي بإهانة الآخرين أو تعطيل الجلسة عمدا. وإنما تهدف إلى ضمان حريته في عرض الدفوع وإنتقاد الإجراءات والدفاع عن موكله دون خوف من المتابعة.
3. الحل القانوني المناسب:
نرى أنه يمكن ضبط المادة 78 من خلال تحديد الأفعال التي تشكل إخلالا بنظام الجلسة بصورة واضحة. كما يجب التأكيد على أن الأفعال التالية تدخل ضمن ممارسة الدفاع، متى تمت بحسن نية وفي حدود الاحترام المهني:
– تقديم الدفوع القانونية.
– الاعتراض على إجراء قضائي.
– طلب تسجيل ملاحظة في محضر الجلسة.
– مناقشة الأدلة والوثائق.
– انتقاد إجراء أو قرار مرتبط بالقضية.
– الإصرار على تمكين الموكل من حقوقه القانونية.
أما المتابعة فيجب أن تقتصر على الأفعال المنفصلة عن الدفاع، مثل الإهانة الصريحة أو العنف أو التعطيل المتعمد للجلسة.
كما يجب أن يتضمن المحضر وصف دقيق للفعل المنسوب إلى المحامي، مع تمكينه من الاطلاع عليه وتقديم ملاحظاته وضمان حضور النقيب أو من يمثله في المسطرة.
خامسا: موقع مبادئ هافانا في الرقابة الدستورية:
تعتمد هذه الدراسة على المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، المعتمدة في هافانا سنة 1990.
وتعتبر هذه المبادئ وثيقة أممية مرجعية تساعد الدول على تنظيم مهنة المحاماة بما يضمن استقلالها وحماية حقوق الدفاع.
ومن أهم المبادئ التي يمكن الاستناد إليها:
– المبدأ 16 المتعلق بحماية المحامين من الترهيب والمضايقة والتدخل غير المشروع.
– المبدأ 20 المتعلق بحصانة المحامي عن التصريحات المهنية الصادرة بحسن نية.
– المبدأ 22 المتعلق بسرية العلاقة بين المحامي وموكله.
– المبدأ 24 المتعلق باستقلال الرابطات المهنية وانتخاب أجهزتها.
– المبدأ 25 المتعلق بتعاون الهيئات المهنية مع السلطات دون تدخل في شؤونها.
– المبادئ المتعلقة بالتأديب وضمان المحاكمة المهنية العادلة.
وتساعد هذه المبادئ في تفسير المقتضيات الدستورية المتعلقة بحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة وحماية الحياة الخاصة.
كما يمكن الاعتماد على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، خاصة المادة 14 المتعلقة بالحق في محاكمة عادلة والاستعانة بمحام.
سادسا: الموقف المحتمل للمحكمةالدستورية:
إحالة القانون على المحكمة الدستورية قبل صدور الأمر بتنفيذه وحسب القراءة أعلاه نتوقع ومن وجهة نظرنا القانونية الإستشرافية المواقف التالية:
1. بشأن المادتين 76 و77
قد تعتبر المحكمة أن حماية أموال الموكلين هدف مشروع، مع إشتراط حصر المراقبة في الجوانب المالية والمحاسبية.
وقد تطالب بضمانات صريحة لحماية السر المهني والمعطيات الخاصة بالموكلين.
كما قد تعتبر أن بعض تفاصيل المراقبة يجب أن ينظمها القانون، خاصة التفاصيل المتعلقة بنوع المعلومات والوثائق التي يمكن طلبها وعدم تركها كاملة لقرار إداري.
2. بشأن المادتين 131 و132
قد تقر المحكمة بحق المشرع في تحديد القواعد العامة لانتخاب أجهزة الهيئات.
وفي المقابل، قد تراجع بعض القيود التي تمنع الترشح بصورة دائمة أو تفرض شروطولا تتناسب مع الهدف المقصود.
وقد تشدد على ضرورة بقاء إنتخاب النقيب وأعضاء المجلس من إختصاص المحامين أنفسهم، مع خضوع النتائج والقرارات للرقابة القضائية.
3. بشأن المادة 78
قد تعتبر المحكمة أن عبارة الإخلال بنظام الجلسة تحتاج إلى تفسير ضيق. ويجب ألا تشمل هذه العبارة الأقوال والدفوع والإعتراضات التي تدخل ضمن ممارسة حق الدفاع.
كما يمكن أن تشترط وجود فعل واضح ومنفصل عن الدفاع، مع ضرورة تحرير محضر مفصل وإحترام جميع ضمانات المسطرة.
4. بشأن المقاربة التشاركية
قد تستحضر المحكمة أهمية مشاركة الهيئات المهنية في إعداد النص. غير أن التصريح بعدم دستورية المشروع بسبب ضعف التشاور يتطلب إثبات وجود خرق واضح لمقتضى دستوري أو مسطري ملزم.
خاتمة عامة:
يجب أن يحقق مشروع قانون مهنة المحاماة رقم 66/23 التوازن بين ثلاثة أهداف أساسية:
– حماية أموال المتقاضين وضمان الشفافية.
– الحفاظ على النظام داخل المحاكم.
– حماية إستقلال المحامي وحرية الدفاع والتنظيم الذاتي للهيئات.
كما لا يعني استقلال المحاماة غياب الرقابة أو المساءلة، فضلا على أن الرقابة لا تعني منح الإدارة سلطة التدخل في كل تفاصيل المهنة.
فالرقابة المقبولة هي الرقابة المحددة بالقانون، والمرتبطة بهدف واضح والمحاطة بضمانات قضائية ومهنية.
أما التنظيم الذاتي فيقتضي أن يحتفظ المحامون بحق إنتخاب أجهزتهم وتدبير شؤونهم الداخلية، مع إحترام القانون والخضوع للرقابة القضائية.
و إحالة القانون رقم 66.23 على المحكمة الدستورية، فإن هذه المحكمة لا محالة ستتجه إلى الإبقاء على أغلب أحكامه، مع حذف بعض القيود أو وضع تفسيرات ملزمة تمنع المساس بحقوق الدفاع والسر المهني وإستقلال الهيئات.
وتبقى الغاية الأساسية من أي إصلاح تشريعي لمهنة المحاماة هي تقوية العدالة وحماية المتقاضين، وضمان ممارسة الدفاع في مناخ من الحرية والمسؤولية والإستقلال.
د/ الحسين بكار السباعي
محام بهيئة المحامين لدى محاكم الإستئناف بأكادير وكلميم والعيون .
مقبول لدى محكمة النقض.
طنجةبريسhttps://tangerpress.com/news-61942.html



