حادثة الرحمة… بين تهور سائق واندفاع ميداني وسؤال القيادة


ليست الواقعة التي شهدتها منطقة الرحمة في الدار البيضاء مجرد حادثة سير عابرة،بل محطة تستوجب نقاشاً مهنياً صريحاً حول المسؤولية المشتركة وحدود التدخل الأمني في الشارع العام.فبين سائق دراجة نارية خالف قانون السير،وشرطي تدخل لاعتراضه،ومسؤولين كبار حضروا العملية ميدانياً،تتداخل الخيوط وتتعقد الأسئلة.
لا جدال في أن سائق الدراجة يتحمل مسؤولية واضحة.السياقة في ممر ممنوع وعدم الامتثال لإشارة التوقف سلوك خطير يهدد سلامة الجميع ويستوجب المساءلة القانونية.احترام القانون ليس اختياراً،بل واجب يضمن أمن الفضاء العام.
غير أن النقاش لا يقف عند هذا الحد. فطريقة التدخل تطرح بدورها علامات استفهام. التعليمات التنظيمية الصادرة عن المديرية العامة للأمن الوطني تؤكد في جوهرها على مبدأ أساسي: لا مجازفة بحياة رجال الأمن،ولا اعتراضات جسدية لمركبات متحركة بشكل يعرض العنصر الأمني لخطر جسيم. الإشارة بالتوقف،ثم توثيق المخالفة وإنجاز تقرير في حال عدم الامتثال،تبقى في كثير من الحالات المرورية الإجراء الأسلم مهنياً.
إذا كان الشرطي الذي باشر الاعتراض حديث العهد بالميدان،فإن المسؤولية المهنية لا يمكن أن تُختزل في عنصر واحد.القيادة الميدانية تتحمل بدورها جزءاً من التقدير.حضور مسؤولين كبار بعين المكان يثير سؤالاً مشروعاً: هل كان من الضروري الوقوف جنباً إلى جنب مع أعوان المراقبة في عملية تتعلق بدراجات نارية متحركة؟ وهل احترم توزيع الاختصاصات كما حدده القانون والممارسة المهنية؟
اعتراض المركبات،وخاصة الدراجات النارية المتهورة،يظل من صميم اختصاص شرطة الزي النظامي،ولاسيما عناصر فرق المرور المدربة على هذا النوع من العمليات،والتي تجري تدخلاتها تحت إشراف مسؤوليها المباشرين المخول لهم قانوناً زجر مخالفات السير. أما العناصر المدنية،فتعتمد غالباً تقنيات مختلفة تقوم على عنصر المباغتة أثناء التوقف،لا المواجهة المباشرة في حالة حركة.
اللافت أيضاً أن عملية إيقاف السائق تمت – بحسب المعطيات المتداولة – دون فرار منه بعد الحادث أو مقاومة تذكر،ما يفتح الباب أمام تساؤل إضافي حول مدى ضرورة المخاطرة الأولية.فحين تتحول الحماسة إلى اندفاع،يصبح الخطر مضاعفاً،خصوصاً في أجواء ضغط قبيل الإفطار حيث التوتر في ذروته.
القيادة الرشيدة لا تُقاس بالقرب الجسدي من نقطة المراقبة،بل بحسن التخطيط وضبط الإيقاع واحترام فلسفة السلامة المهنية التي يؤكد عليها المدير العام للأمن الوطني،والقائمة على عدم تعريض رجال الأمن لمخاطر غير محسوبة.بل إن الحكمة تقتضي أحياناً أن يبتعد المسؤولون الكبار عن الوقوف الميداني اللصيق بنقط المراقبة الطرقية أثناء العمليات الحساسة،حفاظاً على هدوء الأعوان وتركيزهم،ومنعاً لارتفاع منسوب الحماسة الذي قد يدفع إلى تدخلات يرفضها منطق الاحترافية.



