الى رئيس الحكومة أخنوش:قبل صرف 14 مليون سنتيم لكل منزل منهار في البوادي والقرى…هل آن أوان التحول من التعويض إلى البناء المقاوم للفيضانات؟


في ظل التداعيات التي خلفتها الفيضانات والكوارث الطبيعية الأخيرة،سارعت الدولة المغربية، بتوجيهات من الملك محمد السادس،إلى اعتماد تعويضات مالية لفائدة الأسر التي انهارت منازلها.ويهم هذا الإجراء أساسًا المنازل المنهارة في البوادي والقرى والدواوير والمداشر،حيث تعاني هذه المناطق من هشاشة في البناء وضعف في البنيات التحتية، بخلاف المدن التي تخضع لقوانين التعمير والمراقبة التقنية،ويُترك بشأنها القرار المناسب وفق الإطار القانوني الجاري به العمل.
ورغم أهمية مبلغ 14 مليون سنتيم لكل منزل في التخفيف الفوري عن المتضررين،فإن هذا الخيار يظل حلًا ظرفيًا لا يضمن تفادي تكرار نفس الخسائر مستقبلًا.ففي كل موسم مطري قوي أو كارثة طبيعية،قد تتكرر الانهيارات في المناطق القروية نفسها،مما يضع الدولة أمام دورة متواصلة من التعويضات، ويستنزف المالية العمومية دون معالجة جذرية لأصل المشكلة.
من هنا يبرز مقترح اعتماد المنازل الجاهزة بالإسمنت المسلح لفائدة ساكنة العالم القروي،باعتبارها حلًا هندسيًا مقاومًا للفيضانات والرطوبة.هذا النوع من البناء يسمح للمياه باجتياح المسكن دون انهيار هيكله، ليبقى صالحًا للسكن بمجرد انحسار السيول، مع الاكتفاء ببعض الإصلاحات البسيطة في الصباغة والتشطيبات الداخلية. إنه انتقال من منطق التعويض المؤقت إلى منطق الاستثمار الوقائي الدائم.
وفي هذا السياق،يمكن للحكومة أن تتريث في صرف التعويضات الخاصة بالمنازل القروية المنهارة،وأن تدرس عقد شراكة استراتيجية مع شركة صينية عملاقة متخصصة في البناء الصناعي السريع، نظرًا لقدرتها على تصنيع الوحدات كاملة في مصانع متطورة ثم تركيبها في الموقع خلال مدة وجيزة. وقبل اتخاذ القرار، لا بد من استشارة خبراء الاقتصاد والقيام بحساب دقيق يشمل جرد عدد المنازل المنهارة، واحتساب الكلفة الإجمالية للتعويضات، ثم مقارنتها بكلفة إنجاز منازل جاهزة مقاومة للكوارث. فالمال العام أمانة، وأي قرار ينبغي أن يُبنى على أرقام واضحة ومعطيات دقيقة.
بل وحتى في حال اعتماد نفس مبلغ 14 مليون سنتيم للوحدة الواحدة، ولكن في إطار تعاقد صناعي مباشر مع شركة متخصصة تتكفل بالبناء الكامل، فإن ذلك يظل خيارًا مفيدًا للدولة ولساكنة البوادي. فبالنسبة لشركة تعمل بنظام الإنتاج بالجملة، يمثل هذا المبلغ قيمة مهمة تتيح تشييد منازل متينة وعالية الجودة ومقاومة للفيضانات.وهكذا تتحول 14 مليون سنتيم من تعويض قد يذهب إلى بناء هش، إلى استثمار حقيقي في مسكن صلب يدوم لسنوات طويلة. إنها معادلة رابحة: الدولة تتحرر من عبء التعويض المتكرر، والتعويضات المستقبلية – إن وُجدت – ستكون بسيطة ومحدودة في نطاق الإصلاحات السطحية فقط.
وإذا كانت الدولة لا ترغب في إسناد هذا الورش بشكل مباشر إلى شركات أجنبية،أو إذا أرادت في المقابل تشجيع المقاولات الوطنية،فإن الحل الأمثل يتمثل في إطلاق شراكة صناعية مشتركة بين الشركات المغربية الكبرى في قطاع البناء والشركات الصينية المتخصصة في المنازل الجاهزة بالإسمنت المسلح. فبهذه الصيغة، لا تذهب الصفقات بالكامل إلى الخارج،بل تستفيد منها المقاولات المغربية عبر نقل التكنولوجيا والخبرة الصناعية، ويتم اعتماد المواد الأولية المغربية قدر الإمكان،مما يعزز الدورة الاقتصادية الوطنية.
ويمكن لهذا الورش،الذي يهم إعادة بناء المنازل المنهارة في المناطق المتضررة من الفيضانات وكذا المناطق التي عرفت أضرارًا بسبب الزلزال، أن يتحول إلى رافعة اقتصادية حقيقية،تخلق فرص شغل،وتقوي الصناعة الوطنية،وتضمن في الوقت نفسه مساكن آمنة ومستدامة للمواطنين.
إنها دعوة صريحة لإعادة التفكير في طريقة تدبير ملف المنازل المنهارة في العالم القروي، والانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة استباقية قائمة على الحساب الاقتصادي الدقيق، والشراكة الصناعية الذكية، وحماية المال العام، وصون كرامة المواطن المغربي.



