الأمازيغية بين التشويش والعدالة الانتقالية


الأمازيغية بين التشويش والعدالة الانتقالية


رشيد الحاحي

تؤكد العديد من المعطيات والمؤشرات التي تطفو بين الفينة والأخرى خلال الأيام الأخيرة بأن الأيام القادمة ستحمل الكثير من المفاجآت بالنسبة لموضوع تدبير التعدد اللغوي والثقافي وللملف الأمازيغي بشكل خاص، في هذا البلد. وهذا ما يتطلب التوقف عند بعض هذه الأحداث والمعطيات وتحليلها من أجل توضيح المنزلقات الممكنة واستكشاف مخاطر الانحراف في تدبير هذا الملف الحساس في المستقبل القريب.

فبعد ما تمكن الفاعلون والمناضلون الأمازيغ من فرض مشروعية قضيتهم ومطالبهم وعلى رأسها الإقرار بالتعدد اللغوي والثقافي الذي يميز المغرب، وترسيم اللغة الأمازيغية والإقرار بالمقوم الهوياتي الأمازيغي، وبعد ما استطاعوا بخطابهم العقلاني والإنسي والتصحيحي مواجهة مختلف الخطابات الإقصائية والمقولات والخيارات التأحيدية والاستيعابية التي هيمنت على السياسات العمومية ومواقف وإنتاجات بعض السياسيين والدعويين والمثقفين واللسانيين الذين طالما عارضوا أي إقرار بهذا التعدد وهم يتذرعون بالوحدة في مناصرة مشروع الاستيعاب والتعريب الشامل، كما لا تزال تؤكد تسجيلات محاضراتهم وتصريحاتهم ومقالاتهم وبياناتهم، وبعد عشرات السنوات من النضال المدني السلمي والحقوقي والعطاء العلمي والثقافي والأدبي الذي راكمته الإطارات الأمازيغية ومناضليها وباحثيها وبإمكاناتهم الذاتية المحدودة وهم يتعرضون لأشكال مختلفة من الإقصاء والاستخفاف والتي وصلت حد التعنيف والقمع والاعتقالات، بعد كل هذا المسار النضالي والثقافي والعلمي يرى المتتبعون كيف أنه ثمة خطة تحبك خلف الستار يقودها بعض تعريبيي الأمس واليوم، بهدف الاستفراد بتدبير الملف الأمازيغي بالشكل الذي لن يكون سوى من أجل احتوائه والحيلولة دون التنفيذ الفعلي لمقتضياته. وهذا أمر خطير يتطلب اليقظة ورص الصف الأمازيغي من أجل مواجهة كل التطورات المحتملة والإنزلاقات التي تروم إفراغ هذا المشروع من محتواه الحقيقي وبتر أو تحريف امتداده الاجتماعي والثقافي والإنسي الوطني.

من خلال استقراء بعض الأحداث الأخيرة، خاصة التي حاولت أن تثير من جديد التوتر في علاقة بعض الاسلاميين بالحركة الأمازيغية، كالعرض العابر للقارات الذي أطلقه السيد الريسوني من فوق منصة بدولة قطر والذي حاول خلاله تقزيم المشروع والخطاب الأمازيغي وتشويهه باتهامه بالعداء للإسلام والوحدة الوطنية، ثم الخرجة الموالية للسيد الكتاني الذي اتهم خلالها بدوره الأمازيغ بتهديده بالقتل ودليله هو مضمون مكالمة هاتفية مجهولة المصدر، يتضح أن الأمر يتعلق بمحاولة لاستنزاف الأمازيغ في نقاشات جانبية وصرف انتباههم عما يتم الاعداد له من قرارات تروم الانقضاض على الأمازيغية وتحريف مسار تنفيذ التدابير المرتبطة بالسياسة اللغوية والثقافية والهوياتية في المغرب.

تروم بعض هذه الأحداث من جهة اظهار الحركة الأمازيغية بمظهر النزعة العدائية والتهديد الخطير الذي يواجه “الإسلام والوحدة الوطنية”، وبالتالي فهي تدعو إلى شحد الأسلحة وإثارة الفتنة لمواجهة الأمازيغ و”كسر شوكتهم” خاصة أن أعدادهم ازدادت بشكل كبير كما عبر عن ذلك وتخوف منه بكل وضوح السيد الريسوني! والأحداث الأخرى تروم جر الأمازيغ إلى مستنقع التطرف واتهامهم بالعنف لمصادرة خطابهم ومشروعهم الهوياتي والاجتماعي والثقافي السلمي والديمقراطي، وذلك لحشرهم مع التيار السلفي الجهادي في نفس الخانة، لينصرف الآخرون إلى سن السياسات والقوانين التي سيحكمون بها الشعب ويبسطون عبرها سيطرتهم ومشروعهم السياسي والثقافي.

وقد حاولت بعض الأقلام من “حطّابة الفتنة” خلال الأيام الأخيرة أن تشيطن الأمازيغ وعملت كل ما بوسعها لخدمة شيوخهم ومموليهم في مسعاهم إلى القفز على الماضي لاستيعاب تحولات الحاضر، وهم يواجهون الأصوات الأمازيغية بافتراءات واهية وصلت حد التحريض على إيقاظ النعرات وتوزيع التهم المجانية واستعمال العبارات الترهيبية كوصفهم ب”الصهيونية والقردة والخنازير”! وكالتساؤل المغرض ” من يطالب برأس فلان؟” كذا! ومنهم من أفصح عن تخلفه الكبير عن مسايرة وفهم تطورات الخطاب الأمازيغي في المغرب، فيحاول الالتحاق بالنقاش في محطاته الراهنة لكن بأسلوب ركيك وبترديد تهم وعبارات قديمة جدا ك”العرقية المقيتة”. هؤلاء ينفخون في الوشايات والأحداث الصغرى ولسان حالهم يترجى أن تصير حقيقة، وهم بذلك يستحقون الشفقة والمواساة في هلوستهم وتهافتهم المكشوف.

إن مسألة تدبير الملفات الصعبة وفي المراحل الحرجة، خاصة ذات الطابع الحقوقي والاجتماعي والمرتبطة بقضايا العدالة الانتقالية، بما في ذلك موضوع التدبير العادل للتعدد اللغوي والثقافي، لا يمكن أن تتم خارج الاختيارات والتدابير السياسية المعمول بها في التجارب الديمقراطية السباقة في هذا المجال. فمشروع الاقرار بالتعدد اللغوي والثقافي الوطني كان ولا يزال مسارا شاقا قاده المناضلون الديمقراطيون الأمازيع بوعيهم المبكر وعطائهم المدني والعلمي رغم محدودية إمكاناتهم، وفي زمن استقوى فيه التعريبيون من نخب بعض الأحزاب السياسية والجماعات الدينية والجامعات ومريديهم بدعم الأنظمة الاستبدادية سواء التي تهاوت أو التي هي في الطريق. وقد عمل الباحثون والمناضلون الأمازيغ عبر سنوات من انتاجهم العلمي وحضورهم في العمل الجمعوي والنقاش العمومي والحقوقي في البلاد وما عرفه هذا السياق من نقاشات ومحاججات وتدافع واحتكاك وصل أحيانا حد الخشونة والقمع في حقهم، عملوا من أجل الاقرار بهذا التعدد وترسيم اللغة الأمازيغية مما يجعل من موضوع الإنصاف اللغوي والثقافي جزء أساسيا من مشروع المصالحة والعدالة الانتقالية في المغرب.

إن العدالة الانتقالية في الشأن اللغوي والثقافي كما في بقية المجالات الحقوقية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تقتضي أولا اظهار الحقيقة عبر الاعتراف الرسمي بالانتهاكات وتحميل المسؤولية للأطراف والأشخاص والمؤسسات التي تسببت في الجرائم الثقافية ومساءلتهم، ثم جبر الضرر وضمان عدم تكرار ما جرى وذلك بسن القوانين والحماية وتوفير شروط التمكين المؤسساتي لصالح اللغة والثقافة التي عانت من انتهاكات الماضي.

وإذا كان مفهوم الانصاف ومنطق الانتقال في تاريخ الشعوب والحركات والمجتمعات التي عانت من الانتهاكات يقتضي محاسبة الأطراف المسؤولة عن أحداث وانتهاكات الماضي، فإن منطق التغيير والتأسيس للمستقبل وبناء الثقة المفقودة يقتضي على الأقل إعفاء واستبعاد كل من ساهم بشكل من الأشكال في انتهاكات وإخفاقات الماضي سواء بقناعاته الإيديولوجية أو بكتاباته وعروضه وأرائه الإقصائية والاستحواذية أو مسؤولياته العلمية والمؤسساتية، من تحمل المسؤوليات التدبيرية أو الإشراف أو حتى الحضور في واجهة التعاقدات والمجالس والمؤسسات المنتظرة والجديدة.




شاهد أيضا
تعليقات الزوار