تأملات د. العيدودي (4) … المرأة في القاموس الاصطلاحي



الدكتور عبد النبي العيدزدي: دكتوراه الدولة في العلوم السياسية / دكتوراه الدولة في الشريعة

كَــثُــرَ الحديثُ عن التي أهواها… اسمها؟ عمرها؟ شكلها؟…. كَثُرَ الحديث عن تلك المرأة التي صنعت هذا الرجل… هذا الرجل الذي أتعب السياسيين، كبارهم وصغارهم، بإقليم سيدي قاسم… ولم يتعبْ…ولن يتعب… حتى أنهم لازالوا يُفتشون له، يائسين، في السراب وفي الغمام… في الماء وفي التراب…في الأرض وفي السماء… عن “إدانة” مُستحيلة، لعلها تــنجيهم من قوة عزيمته ومن رباطة جأشه…ومن صلابة عوده.. قبل محطات 2021….لكن هيهات هيهات أن يُفلحوا ….بل سيُصابون بِدَاءِ شرورهم وظُلمهم وافترائهم قبل أن يسطع نجم الحق الأكيد…وما كان كِتَابُهم سوى أساطيرَ ….وحِبْراً على الجليد.

قررتُ، بعد تفكيرٍ، أن أفْــرِدَ هذا التأمل للمرأة القروية وما تُحيل عليه من دلالاتٍ اصطلاحية…ومن مفاهيمَ مُؤطِّرةٍ لِمَا راكمتُهُ من تجاربَ وخِبرات.. بها ولها ومعها، داخل قبيلتي، وفي منطقتي البدوية بامتياز. ويا له من فخرٍ وحُسنِ حظٍّ أن تكون أُصولي وجذوري كذلك…
من تكون هذه المرأة؟ ماذا استطعتُ أن أقدم لها الآن وهنا؟ وماذا أستطيعُ أن أقدم لها غداً وهنا؟
إنها هي.. ولا شخص غيرها.. هي  المرأة المغربية الأصيلة المتأصلة التي لن تجد لها مثيلاً ولا شبيهاً من بين كل نساء العالم.. في الصبر.. في التضحية.. في العطف.. في الحِكمة.. وفي الصمود أمام عواصف الزمن المتقلب، الغادر، الزئبقي، والمنفلت من بين أيدينا، كما تنفلت الفُقاعات.. ساخِرَا منا ..غيرَ آبِــهٍ بأوجاعنا.. وراحِلَاً بنا إلى حيث المآلُ والمنتهى…

نعم أيها الحائرون المُتسائلون، إنها الأم العظيمة والمرأة الشامخة: السعدية بنت امحمد العيشي، هي التي حملت هذا الرجل الذي أصبحتُ، واحتضَنَــتْهُ ورَعَـتْهُ، وربته، وعلمته، وأدفأته،  وتحملت، بِجَلَدٍ، بعاد الزوج عنها وهو مُرابِطٌ في تخوم الصحراء المغربية يدافع عن حدود الوطن لمدة سبعة وعشرين عامًا كاملةً من عمر هذا الرجل الذي صنع ويصنع الحدث، إيجاباً، بهذا الإقليم الجدير بكل البَذْلِ والجهد والتضحية لأجل أن يتبوأ مكانته المستحقة بين أقاليم مملكتنا الرائعة.

أجل، لقد جَسَّدَتْ كلَّ معاني الأمومة… وتجسدت فيها كل معاني النبل والكرم والعناية والمودة ونكران الذات…. وكانت نِعْمَ الأم… ولا تزال…. تدفع، بكل ما أُوتيتْ من قوةِ إيمان، عن فلذة كبدها شرورَ أعداد النجاح وغدرهم وخياناتهم وانعدام مروءتهم… بالدعاء الصافي والخالص .. في مُناجاةٍ متواصلة مع خالق الكون رب العزة والجلال…. لا سلاح لها غيرُ الدعاء لحماية ابنها من مكائد الأشرار ودسائسهم… أَوَلَيْسَ الدعاء يرد القدر ؟ أوليس الدعاء مخ العبادة؟ فكيف بالأحرى يكون دعاءُ أمٍّ راضية، داعِمة، مسانِدة، ومؤمنة؟

ذلك الحرص الشديدُ الذي تُبديه أمُّهُ عليه هو بالضبط ما جعل هذا الرجل، وهو يقود سفينة الحوافات إلى بر الأمان، مُسْــتَــشْعِراً أكثر لواجب ومسؤولية إبعاد المفسدين نهائيا عن تسيير هذه البلدة التي ترتقي راهِناً في بضعة أعوام بالجدية، بما لم ترتقيه في عقود طويلة من العبث والفساد.



من حليبها النقي التقي الطاهر الزكي رضع الصدقَ والوفاء…والشجاعة والنبل…والتضحية والإصرار…. دفاعًا عن الإنسان عموما، وعن ابن(ة) البلدة والإقليم على وجه الخصوص، وعن الفتاة القروية على الوجه الأخص…..

لذلك أصر هذا الرجل الوفي…ابن تلك الأم العظيمة، على العِرفان، بضميرٍ يقظ واجتهاد لا يَكَــلُّ ولا يَمَلُّ ….وحاوَلَ جاهدا ردَّ جزءٍ يسيرٍ من الجميل… فحقق حلمَ بناءِ ثانويةٍ بالحوافات، ولم يكتفِ، ولم يهدأ له بال…. فوفر النقل المدرسي مجانا… وفتح مدرسةً للتعليم الأولي، وشقَّ الطرق، وفتح المسالك، وأحدث القناطر، وشَيَّد ملاعب القرب….لا لسببٍ إلا  من أجل أن لا تُكابد الفتاة والمرأة القروية بالحوافات، الآن وهنا، ما كابَــدَتْهُ أمُّهُ، في ذاك الزمن الأغبر، وهي تقاوم بغايةٍ أن ينال حظَّهُ من التعليم ….أليست هذه الأم قدوةً …وعِبرةً.. ومنبع طاقةٍ… ومصدر إلهام؟!  بلى وأَلْفُ بلى.

نجح إذن هذا الرجل، بفضل والدته التي شكلت له دافعا لا يُضاهى ولا يُجارَى.. نجح في توفير مبالغ “تيسير” للنساء بالحوافات.. ووفر لهن المبالغ التي كان يتفنن لوبي النقل المدرسي في استغلالها بطريقة بشعة بلا رحمة ولا شفقة ولا ضمير…كما وفر مدرسة التعليم الأولي بالرتبية، ومدارس بالحميدين، وبالحوافات مركزًا للطفولة، مما ساهم بقسط وافر في تخفيف عناء وعذاب وألم غياب التعليم الأولي لأبناء وبنات الأمهات في الحوافات… ها هي الإنجازات منك وبك وإليك يا أماه…فأنت الدافع غير المرئي…وها هو الوقت قد حان ليعرف الجميع أحد أهم مصادر قوتي…. إلاَّ من عميت بصيرتُهُ من شدة الحقد والغل والحسد …. وإني أشفق عليهم تماما كما تُشفقين عليهم…

تلك الأم الحاضرةُ دوما في حركاتي وسكناتي ….هي الوقود الذي يحركني دوما لأجتهد في تنويع أشكال الدعم المتواصل الذي نقدمه إلى النسيج الجمعوي الواعد… توجيها وتأطيرا وتحسيسا وتكوينا…. مما جعل من صوت المرأة القروية بالحوافات صوتا يعلو ولا يُعلى عليه داخل الإقليم كما داخل الجهة…وما هي سوى البدايات….أما القادم فهو أفضل.

والدتي الكريمة: هذا وعد ابنك الذي عــلَّمتِه أن لا يُخلف وعدا: رغم كل الإكراهات والعراقيل، ورغم الكيد والمكائد…لن ينجح أحد في جَرِّي نحو المعارك الهامشية…ولا في تحريف طريقي نحو مزيدٍ من التنمية لصالح البلاد والعباد…..سأظل على الدرب سائرا، بأمل وعزم، مسلحا برضاك ودعواتك،  نحو تحسين شروط عيش المرأة القروية بالحوافات…فهي تستحق الكرامة، مثلما يستحقها كافة أبناء بلدتي الجميلة…  وسيبقى أملي قائما، حيًا، وقَّادًا، في تنظيم النساء ضمن تعاونيات وجمعيات ووداديات نسائية… من أجل إدماجهن في النسيج الاقتصادي الاجتماعي التضامني..  من هنا يبدأ التمكين …ومن هنا تبدأ الكرامة….ومعركتي مستمرة.
تحياتي لكل الأمهات الصادقات المُكافحات الصابرات.. والحمد لله الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده.

طنجةبريسhttps://tangerpress.com/news-19592.html

 




شاهد أيضا


تعليقات الزوار