محمد الحبيب الخراز: المحامي الذي امتطى صهوة التاريخ وحرس ذاكرة الشمال

بقلم :عبد العزيز حيون
يُجسد الأستاذ النقيب محمد الحبيب الخراز علامة فارقة في تاريخ النضال الثقافي،والسياسي،والحقوقي بالمغرب،فهو قامة وطنية فذة جمعت بين جرأة المحامي،ودقة المؤرخ،وحنكة السياسي،وتفاني المنتخَب الغيور الذي جعل من القرب من المواطن ومؤسسات القرب عقيدة نضالية راسخة.
و نادرون هم الرجال الذين يستطيعون التنقل بين صرامة المحاكم،وعزلة البحث التاريخي،و تدافع السياسة،ومنصات المجالس المنتخبة دون أن يفقدوا بوصلتهم الفكرية والأخلاقية.
ويعد الأستاذ محمد الحبيب الخراز نموذجا حيا لهذا المثقف الشامل والفاعل المجتمعي الذي لم يرضَ بالحياد يوما،بل كان دوما في قلب “القضايا “،وما يدُل على ذلك مسيرته الثقافة والسياسية والحقوقية الحافلة والغنية و محطاته الشخصية المتكاملة الأركان،التي جعلت من خدمة الصالح العام والدفاع عن قضايا المجتمع والتزام الأخلاق الغاية الأسمى.
و ينطلق الأستاذ النقيب الخراز في كافة مبادراته من كونه “مثقفا عضويا” بامتياز،لا يكتفي بالتنظير من وراء المكاتب،بل يتفاعل بشكل مباشر مع هموم محيطه وقضايا وطنه وأمته..و لقد نجح،عبر مقالاته ومحاضراته وأنشطته الفكرية،في تحويل الثقافة إلى أداة تواصل حية بين النخبة والقواعد،والحارس لقيم الهوية والوعي الديمقراطي.
وفي محراب العدالة،سطر الأستاذ النقيب الخراز بمداد من شجاعة صفحات مشرفة في تاريخ هيئة الدفاع بالمغرب، و عُرف دائما بمرافعاته القوية وجرأته الفائقة في قول الحق والدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان،ولم تكن المحاماة في نظره مهنة لكسب العيش،بل رسالة حقوقية وإنسانية “مقدسة” خاض من أجلها معارك قانونية معقدة بكفاءة واقتدار حظيا باحترام القضاة والمحامين والمتتبعين للشأن العام وقضايا المحاكم على حد سواء.
وفي الجانب الآخر،اعتبر الأستاذ النقيب الخراز المؤرخ الدقيق والمتبصر المؤتمن على الذاكرة الوطنية بشكل عام وذاكرة منطقة الشمال بشكل خاص .
و يتجلى البعد العلمي الرصين للأستاذ الخراز في عطائه كمؤرخ مُتبصر،فقد تميزت أبحاثه بالدقة البالغة والاعتماد على الوثائق والمخطوطات الأصلية للنبش في تاريخ الحركة الوطنية،ولا سيما في شمال المغرب وحاضرة تطوان.ومن خلال مؤلفاته المرجعية، لم يقدم تاريخا جامدا،بل صاغ قراءة متبصرة تربط الماضي بالحاضر لتستشرف آفاق المستقبل للأجيال الصاعدة.
وإذا كانت المحاماة والسياسة قد أخذتا جزءا كبيرا من حياته اليومية،فإن شغفه الحقيقي تجسد في كتابة وتدوين تاريخ مدن الشمال المغربي ومؤسساتها،متميزا بأسلوب يجمع بين التحقيق القانوني والتدقيق التاريخي..ومن أبرز مؤلفاته التي أثرت المكتبة المغربية: كتاب “الصحافة بشمال المغرب من التأسيس إلى الاستقلال” (2012)،وكتاب “تاريخ مدينة المضيق” (2024) ،وكتاب “سفراء تطوان على عهد الدولة العلوية”(في جزأين – 2007) ،وكتاب “الأجواء الموسيقية بتطوان وأعلامها”(2009) الذي حظي بشرف تقديمه لصاحب الجلالة الملك محمد السادس ،وكتاب “تاريخ مدينة مرتيل: تطورا ونشأة وحداثة”(في جزأين – 2020) ،وكتاب “الذاكرة التاريخية الوطنية لضحايا الحرب الأهلية الإسبانية من خلال الوثائق العدلية المغربية”(2020).
وامتداداً لإرث الرعيل الأول للحركة الوطنية، صقل الأستاذ الخراز تجربته كـ “سياسي محنك” داخل صفوف حزب الاستقلال،وقد تُوج هذا المسار الملتزم بنقاء السريرة والوفاء للمبادئ باختياره عضوا فاعلا في لجنة الأخلاقيات والسلوك .
في هذا الموقع الحساس،يمارس الخراز دور حارس القيم، مدافعا عن تخليق الحياة السياسية، ومؤكدا أن العمل الحزبي الحقيقي هو ترفع،ونزاهة، ومسؤولية وطنية قبل أن يكون تنافسا انتخابيا وتدافعا سياسيا مجردا من نُبْل وأخلاق السياسة .
و لا تكتمل صورة الأستاذ الخراز دون الوقوف عند تجلياته كـ “منتخب” حمل أمانة أصوات المواطنين في المجالس المحلية والجهوية.لقد قدم الأستاذ الخراز نموذجا للمنتخب الذي لا توجّهه المصالح الضيقة، بل يدفعه التزام أخلاقي وقانوني للذود عن قضايا المجتمع اليومية.
وكان سباقا للعمل القومي،حيث نجح عام 2000 في عقد أول اتفاقية توأمة بين مدينة تطوان ومدينة نابلس الفلسطينية عقب زيارة له بدعوة من الرئيس الراحل ياسر عرفات.
ومن داخل المؤسسات المنتخبة،كان الأستاذ محمد الحبيب الخراز،الذي ولد في مدينة تطوان في فاتح ماي من عام 1941 و تلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة محمد الخامس العريقة قبل أن يلتحق في بداية شبابه عام 1956 بثانوية القاضي عياض ليكون من ضمن الفوج الأول الذي دشن هذه المؤسسة بعد الاستقلال ومنها نال شهادة البكالوريا سنة 1964 ليتجه بعد ذلك لدراسة القانون ، صوتا هادرا للدفاع عن البنيات التحتية، والعدالة المجالية،ودعم الفئات الهشة،مُكرسا قناعة راسخة بأن “العمل الانتدابي” هو تكليف ومُساءلة مستمرة أمام الشعب وليس فرصة للاستغناء وقضاء المآرب الشخصية كما هو حال فئة معينة .
ويظل الأستاذ محمد الحبيب الخراز،الذي بدأ نشاطه السياسي مبكرا جدا في صفوف الحركة الوطنية والشبيبة المدرسية والاستقلالية وعرف بمواقفه الجريئة ونضاله الميداني الذي عرضه في بداياته للتوقيف والمساءلة من قبل السلطات بسبب مقالاته ومراسلاته لجريدة “العلم”،لوحة وطنية متكاملة تتداخل فيها ألوان الفكر والقانون والسياسة والمواطنة الصادقة ،فمسيرته الحافلة تُعَلمنا أن المثقف الحقيقي هو من يترجم أفكاره إلى مواقف في المحكمة،وتشريعات وتنمية في المجالس المنتخبة،وأخلاق في العمل الحزبي.
وأمام هذا العطاء الموصول بنبض المجتمع،نسأل الله العلي القدير أن يمتع الأستاذ محمد الحبيب الخراز بموفور الصحة والبركة والعافية،وأن يطيل في عمره،ويحفظه منارة علم،وفضل،ونضال تقتدي بهاالأجيال الصاعدة بِغَض النظر عن قناعاتهم الإيديولوجية.
طنجةبريسhttps://tangerpress.com/news-61595.html



