رسالة مفتوحة إلى السيد وزير الداخلية حول مأسسة التضامن الاجتماعي بين المغاربة في إطار الدولة الاجتماعية

رسالة مفتوحة إلى السيد وزير الداخلية
حول مأسسة التضامن الاجتماعي بين
المغاربة في إطار الدولة الاجتماعية
السيد وزير الداخلية المحترم :
يشكل ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي أطلقه جلالة الملك محمد السادس نصره الله، محطة مفصلية في مسار بناء الدولة الاجتماعية بالمغرب، لما يحمله من أبعاد استراتيجية عميقة تروم ضمان الكرامة الإنسانية وتكريس العدالة المجالية والاجتماعية في الولوج إلى الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الحق في العلاج. وقد نقل هذا المشروع الملكي الرائد السياسة الاجتماعية من منطق الدعم المحدود إلى منطق الحق المؤطر قانونياً، القائم على الاستدامة والإنصاف وتكافؤ الفرص، وهو ما انعكس إيجاباً على توسيع قاعدة المستفيدين وإدماج فئات واسعة ضمن منظومة التغطية الصحية الإجبارية.
غير أن الممارسة العملية المرتبطة بمساطر التعويض عن مصاريف العلاج تبرز بعض الإكراهات الواقعية التي لا تمس جوهر الإصلاح، لكنها تؤثر على فعاليته الاجتماعية وعلى سرعة استفادة المواطنين من حقوقهم، حيث إن آلية التعويض المعتمدة حالياً، رغم نجاعتها من حيث المبدأ، تبقى مشروطة بالأداء المسبق لمصاريف العلاج أو العمليات الجراحية، وهو ما يشكل عائقاً حقيقياً أمام عدد من المنخرطين، خاصة في الحالات الاستعجالية أو التدخلات الطبية ذات الكلفة المرتفعة، حيث يجد المرضى وأسرهم أنفسهم أمام صعوبة تدبير السيولة المالية الآنية، رغم أحقيتهم القانونية في استرجاع نسبة مهمة من المصاريف.
وفي المقابل، يعكس المجتمع المغربي تقاليد راسخة في التضامن والتكافل الأسري والاجتماعي، إذ كثيراً ما يتدخل أحد الأقارب أو أفراد الأسرة أو حتى فاعل خير لتحمل التكلفة الكاملة للعلاج أو العملية الجراحية، تفادياً لأي تأخير قد يهدد صحة المريض. غير أن المساطر التنظيمية الحالية تقضي بتحويل مبلغ التعويض حصراً إلى الحساب البنكي للمنخرط المعني، حتى وإن لم يكن هو من أدى المصاريف فعلياً، مما قد يخلق حرجاً عملياً ويحد من انسيابية هذا التضامن، كما قد يؤثر على ثقة المتدخلين في آلية الاسترجاع، رغم سلامة نيتها وأهدافها الاجتماعية.
وانطلاقاً من ذلك، يبرز مقترح دراسة إمكانية إحداث آلية قانونية وتنظيمية واضحة تسمح للمنخرط بتفويض شخص آخر لتلقي مبلغ التعويض، شريطة الإدلاء بوثيقة رسمية موثقة ومرفقة بإثباتات الأداء البنكي أو المالي التي تثبت أن المفوَّض له هو من تحمل المصاريف فعلياً.
كما تجدر الإشارة إلى أن المجتمع المغربي يزخر بعدد كبير من المواطنين وفاعلي الخير الذين يحدوهم وازع إنساني صادق للمساهمة في علاج المرضى، لاسيما المصابين بالأمراض المزمنة وذات الكلفة المرتفعة، حيث يعبر كثير منهم عن استعدادهم لتحمل مصاريف العلاج أو اقتناء الأدوية أو تغطية تكاليف العمليات الجراحية لفائدة عدد من المرضى، أفراداً أو جماعات ، غير أن تعزيز هذا السلوك التضامني وتوسيعه يظل رهيناً بتوفير آلية قانونية واضحة تضمن تحويل مبالغ التعويض مباشرة إلى الحساب البنكي للشخص الذي تكفل فعلياً بالأداء، متى ثبت ذلك بوثائق رسمية.
فوضوح المسطرة وشفافيتها من شأنه أن يطمئن المتضامنين، ويشجعهم على الاستمرار في أداء رسالتهم الإنسانية، ويحول روح التضامن المتجذرة في المجتمع المغربي إلى رافعة عملية داعمة لورش الحماية الاجتماعية، بما يعزز التكافل ويقوي الثقة بين مختلف المتدخلين.
إن هذا التعديل المقترح لا يمس بحقوق الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي،ولا يغير نسب التعويض،ولا يرتب أي عبء مالي إضافي على ميزانية الدولة، بل يهدف إلى تنظيم وجهة التحويل وفق مبدأ الأداء الفعلي،في إطار من الشفافية والتأطير القانوني الدقيق،بما يعزز سرعة الولوج إلى العلاج، ويخفف الضغط عن الأسر،ويكرس البعد الإنساني والتضامني لورش الحماية الاجتماعية بين المغاربة المتشبعين بقيم التعاون والتكافل في السراء والضراء.
فملخص المقترح هو إقرار آلية قانونية وتنظيمية واضحة تتيح للمنخرط في منظومة التغطية الصحية إمكانية تفويض شخص آخر، بموجب وثيقة رسمية وإثباتات أداء موثقة، لتلقي مبلغ التعويض وتحويله من طرف الجهة المعنية إلى حساب الشخص الذي تكلف فعلياً بمصاريف العلاج والفحوصات الطبية والعمليات الجراحية لفائدة المريض، دون المساس بحقوق الصندوق أو نسب التعويض أو ترتيب أي كلفة إضافية على الدولة، مع ضمان الشفافية والتأطير القانوني السليم.
وتفضلوا، السيد الوزير، بقبول فائق عبارات التقدير والاحترام.



