سلوك المغاربة في مجال النظافة والبيئة سلبي ويعكس التناقض بين المعتقد والممارسة (قراءة في نتائج دراسة)

بقلم :عبد العزيز حيون
بَينت نتائج دراسة علمية حديثة أن سلوك المغاربة في التعاطي مع الفضاءات العامة ومجال النظافة والبيئة سلبي للغاية ولا يرقى الى ما نحن فيه من تحول مدني وتنموي،كما يعكس كذلك بجلاء التناقض الصارخ بين المعتقد والممارسة،أو ما يعرف عند علماء النفس ب”التنافر المعرفي”.
كما أن مؤشرات سلوك المغاربة،التي توصلت إليها الدراسة القَيمة التي أنجزها المركز المغربي للمواطنة عبر استبيان ميداني،تطرح أكثر من سؤال حول ما يدعيه الإنسان المغربي ظاهريا وما يتشبع به من قيم دينية ووطنية وما يتعلمه من خلال التعليم والتربية والتوجيه من جهة ،وما يقوم به على أرض الواقع بموقفين متناقضين،في أحيان كثيرة بعيدا عن المراقبة وفي أحيان أخرى أمام الملأ دون أن تحركه ضوابط أخلاقية ودون تأنيب الضمير الفردي أو المجتمعي.
وكشفت نتائج الدراسة أن سلوك التخريب وعدم الاكتراث هو السائد في الفضاء العمومي حين يتعلق الأمر بالبيئة والحدائق العامة والنظافة وتجهيزات الفضاء العام ..ما يدل،للأسف،على أننا نسير بسرعتين،واحدة تجر نحو التمدن المظهري والثانية الى الممارسات السلبية غير السوية والبعيدة عن معنى التمدن والتحضر الحقيقي الذي يجب أن نتحلى به .
وتعتبر نظافة الفضاءات العامة والحفاظ على البيئة من أبرز المؤشرات التي تعكس مدى ترسخ السلوك المدني في الفضاء العمومي،وتشكل أيضا عنصرا مركزيا في تقييم التمدن وجودة العيش في المجتمعات الحديثة،إذ لا يمكن تصور سلوك مدني متوازن دون احترام فضاء العيش المشترك (حديقة،ملعب ، عمارة ،مكان عمل ،مراكز تجارية…)،وصيانته والالتزام بقواعد العيش الجماعي التي تضمن الحقوق البيئية لجميع المواطنين .
وانطلاقا من هذا التصور الذي وضعته الجهة المشرفة على الدراسة العلمية الرزينة يتضح أن سلوك الغالبية العظمى من المغاربة سلبي للغاية وغير سوي ،وهو بعيد كل البعد عن المظهر العام لمدننا ومظهرنا وملبسنا وتخاطبنا اليومي.. وما ندعيه من تشبثنا بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف على وجه التحديد واقتناعنا بالسلوك الحسن!!!.
فبخصوص المحافظة على نظافة الأماكن العامة (عدم رمي النفايات)،عبر 73,5 في المائة من المشاركين في الاستبيان عن عدم رضاهم عن سلوك المغاربة في هذا المجال،مقابل 22,4 في المائة اعتبروا أن الوضع متوسط ، و 4,0 في المائة فقط عبروا عن رضاهم.
وعن احترام المساحات الخضراء والحدائق العامة رأى 66,8 في المائة من المشاركين أن سلوك المغاربة لا يحترم الفضاءات الخضراء، مقابل 27,0 في المائة وصفوا الوضع بالمتوسط و 6,3 في المائة فقط عبروا عن رضاهم.
وفيما يتعلق بالمحافظة على تجهيزات الفضاء العام (المقاعد ،الإنارة ،مواقف الحافلات…)،عبر 69,8 في المائة من المشاركين عن عدم رضاهم عن سلوك المغاربة في هذا الجانب،بينما وصف 25,7 في المائة الوضع بالمتوسط، و4,5 في المائة فقط أعربوا عن رضاهم.
وعن الامتناع عن التدخين في الفضاء العام،أبدى 49,8 في المائة من المشاركين عدم رضاهم عن سلوك المدخنين،و 31,6 في المائة وصفوا الوضع بالمتوسط، في حين عبر 18,6 في المائة عن رضاهم.
وما يستنتج من هذه الدراسة القيمة هو أن المجتمع عامة “مزدوج السلوك” ويشهد الواقع أيضا على وجود سلوكيات سلبية متفشية لدى بعض المغاربة تجاه البيئة والفضاءات العامة،تتجلى في رمي النفايات،احتلال الملك العام،عدم احترام قواعد المرور والنظافة،عدم الاكتراث بضرورة المحافظة على المساحات الخضراء.
وكل هذه الممارسات المشينة تسائل المجتمع ككل بدون استثناء و تعكس تحديات ثقافية واجتماعية وقانونية،وما يفرض ذلك من جهود فردية ومجتمعية ومبادرات لرفع الوعي ونشره،مع أهمية دور الأسرة والمدرسة والقانون والزجر في تعزيز السلوك المدني والمواطنة البيئية.
وتجدر الإشارة الى أن الدراسة شملت الكثير من السلوكات البشرية اليومية التي تخص العلاقات بين الناس،تحدثنا عنها في مقال سابق،أو التعامل مع المحيط البيئي،وتقيس مستوى احترام المواطنين لقواعد التفاعل الاجتماعي داخل الفضاء العام،بما في ذلك معايير اللياقة والاحترام المتبادل ،المرآة التي تعكس جودة العلاقات الإنسانية في المجتمع،ودرجة ترسخ القيم المدنية المرتبطة بالعيش المشترك.
واعبرت نتائج الدراسة أن هذا التحول تزامن مع تراجع ملحوظ في العلاقات الاجتماعية التقليدية التي كانت تسود داخل المجتمعات المحلية، حيث ضعفت قيم التضامن واليات الرقابة الاجتماعية داخل الأسر والجماعات،لتحل محلها علاقات يغلب عليها الطابع الفردي والتباعد الاجتماعي.
ورأت الدراسة أن ذلك انعكس على السلوك العام،حيث ظهرت أنماط جديدة يغلب عليها التوتر،وضعف روح الجماعة،وتراجع الالتزام بقيم الاحترام والانضباط في الفضاء العام.
بقيت الإشارة الى أن هذه الدراسة المنجزة عبر استطلاع للرأي همت 1173 مشاركة ومشارك،وبلغت نسبة الذكور 75.9 في المائة،مقابل 24.1 في المائة من الإناث.
و توزعت الفئات العمرية على النحو التالي: 32.6 في المائة تتراوح أعمارهم بين 30 و 39 سنة،و 28.4 في المائة بين 20 و29 سنة و 20.5 في المائة بين 40 و49 سنة، و 11.4 في المائة بين 50 و 60 سنة،بينما بلغت نسبة من تجاوزوا 60 سنة 7.1 في المائة .
و على المستوى الجغرافي،جاءت جهة الرباط سلا القنيطرة في المرتبة الأولى من حيث عدد المشاركين بنسبة 23.6 في المائة،تليها جهة الدار البيضاء سطات بنسبة 21.2 في المائة،ثم جهة فاس مكناس بنسبة 12.1 في المائة،فيما سجلت مساهمات متفاوتة من باقي الجهات أبرزها مراكش أسفي ،(10.7 في المائة)،وطنجة تطوان الحسيمة (10.5 في المائة)، والجهة الشرقية (8.8 في المائة) .

طنجةبريسhttps://tangerpress.com/news-58247.html




شاهد أيضا
تعليقات الزوار