الأحداث الجانحون: أية أسبقية العلاج أم العقاب ؟ ذ. عبد العزيز صبري 

 معلوم أن المغرب قطع أشواطا جد مهمة فيما يخص عدالة الأحداث ؛ فالمغرب انخرط في المنظومة القانونية العالمية بحيث صادق على مجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات المهتمة بحقوق الطفل وأيضا قام  بتطوير الترسانة القانونية بشكل يتماشى مع عدالة الأحداث على المستوى العالمي باعتباره من المواضيع الراهنية. ولكن على مستوى الممارسة لازالت هناك مجموعة من الإشكالات العملية تفرض نفسها خاصة وان هناك مجموعة من الجرائم  لازالت ترتكب من طرف فئة الأحداث والتي تجعل المهتم بالشأن الحقوقي المغربي يطرح جملة من الأسئلة المتعلقة بجنوح الأحداث والسبل الكفيلة لمواجهتها؛ لهذا ارتأينا أن نسلط الضوء على قضية مهمة تعتبر من مفاتيح عدالة الأحداث وهي قضية ، لمن تعطى الأسبقية للعقاب آم للعلاج في التعاطي مع ظاهرة الجنوح .
    مما لاشك فيه أن  التوجه إلى  إصدار العقوبات الجنائية على الأحداث له نتيجة وخيمة على نفسيته و يؤدي إلى هدم القيم  الإنسانية  النبيلة التي تقوم على حماية ووقاية الأحداث من الجنوح  و العمل على تقويمهم ، فالحكم الصادر على الحدث بعقوبة جنائية حتى لو كانت مخففة وبسيطة  ، فهي بالأساس قائمة ومبنية  على نهج الردع والإيلام والانتقام  ، وهذه الحلول والمعاملات  يجب أن تندثر وتختفي من قاموس معاملة الأحداث الجانحين ،هذه المعاملة التي يجب أن تؤسس على مبادئ علمية واجتماعية تقوم على فكرة التربية والحماية والتقويم ،وتستبعد كليا فكرة العقاب وما يرتبط به من صور الألم والتعذيب والإهانة  .[1]
لمعالجة هذا الموضوع ارتأيت تقسيمه إلى نقطتين :
1- الجانب القانوني والقضائي.
    فقانون المسطرة الجنائية المغربي وخصوصا الكتاب الثالث أفرد معاملة خاصة بالأحداث من ضمنها تخصيص مجموعة من التدابير المادة (481).غير أنه يمكن للمحكمة بصفة استثنائية أن تعوض أو تكمل التدابير المنصوص عليها في المادة أعلاه بعقوبة حبسية أو مالية بالنسبة للأحداث الذين تتراوح أعمارهم بين  12و 18 سنة ,إذا رأت ذلك ضروري نظرا لظروف أو لشخصية الحدث الجانح  ،بشرط أن تعلل مقررها بخصوص هذه النقطة وفي هذه الحالة يخفض الحدان الأقصى والأدنى المنصوص عليهما في القانون إلى النصف.[2]
كما أن الأساس في جميع الإجراءات التي تتخذ بحق الحدث ، هو مراعاة مصالح الحدث الفضلى ، وهذا مانصت عليه اتفاقية حقوق الطفل في المادة (3) فقرة (1)  على أنه ” في جميع الإجراءات التي تتعلق في الأطفال ، سواء قامت بها مؤسسات الرعاية الإجتماعية العامة أو الخاصة ، أو المحاكم أو السلطات الإدارية أو الهيءات التشريعية ، يولى  الإعتبار الأول لمصالح الطفل الفضلى .”
    إن المشرع المغربي تماشيا مع ما أقرته الشريعة الإسلامية ,وما أقرته مختلف الاتفاقيات والقواعد الأممية الخاصة بالطفل وما اعتمدته التشريعات المقارنة حاول إرساء مبدأ أولوية التدبير لمساعدة الحدث وإعادة تربيته وبالمقابل لم يستبعد خيار العقوبة السالبة للحرية ،لمواجهة الخطورة الإجرامية لبعض الأحداث وترك المجال للقضاء وفق سلطة الملائمة لاختيار التدبير الأنجع للحدث بما يجعل للحكم الصادر في مواجهته دورا هاما في عملية التأهيل وإعادة الإدماج ،ذلك أن الأصل في التشريع الخاص بالأحداث أن الحدث لا يحكم عليه إلا بتدبير من تدابير الحماية والتهذيب ،وهو لا يتعرض للعقوبة إلا استثناء.[3] وهذا ما نستشفه من مقتضيات الفقرة 1 من المادة 482 من ق.م.ج .
   كما أن المشرع المغربي اعتمد في مجال جنوح الأحداث على السلطة التقديرية للقاضي الجنائي المختص.وأجاز  لهذا الأخير الاختيار بين تدابير الحماية والتهذيب والعقوبة السالبة للحرية  ،وذلك حسب ما يراه عند دراسة ملف الحدث الجانح ومن خلال الوقوف على الظروف الشخصية للحدث ، وبدرجة أقل جسامة الجريمة المرتكبة ،وإن قيده عند الحكم بعقوبة سالبة للحرية بمجموعة من الضوابط من ضمنها تعليل الحكم القاضي بعقوبة سالبة للحرية تعليلا خاصا،اعتبارا لكون التعليل هو المدخل الأساسي والوجيه لمعرفة مدى احترام القاضي لروح النص ،ويمكن المحكمة الأعلى درجة من مراقبة مدى تطبيق القانون.
    لذلك فإن التوجه الذي سار عليه المشرع المغربي هو اعتبار العقوبة السالبة للحرية استثناء ،يتم اللجوء إليها إلا إذا ارتأى القاضي أن تدابير الحماية والتهذيب لا تستطيع لوحدها معالجة نوازع الإجرام لدى الحدث ،لكون المشرع لا يرغب في مساءلة الحدث جنائيا طبقا للقواعد لعامة ،بقدر ما يرغب في تأهيل الحدث وإعادته للمجتمع عضوا صالحا ،بتبني تدابير تتلاءم مع خطورة الحدث وقلة خبرته وتجاربه في الحياة.[4].
ومن هنا يجب أن يكون إيداع الحدث في مؤسسة إصلاحية الملاذ الأخير ، ولأقصر فترة ممكنة بها الضرورة وأن تتاح للسلطة المختصة مجموعة متنوعة وواسعة من تدابير التصرف تمكنها تفادي اللجوء لإيداع الحدث في المؤسسات الإصلاحية ، بالسماح لها باللجوء إلى التدابير البديلة مثل : الأمر بالرعاية و التوجيه والإشراف ، والوضع تحت المراقبة ، الأمر بالخدمة في المجتمع المحلي ، فرض العقوبات المالية ورد الحقوق..[5].
2- – بعض الطرق العلاجية بمؤسسات الحماية والتهذيب لمجابهة جنوح الأحداث
الحقيقة أن جنوح الأحداث ظاهرة مرضية وخطيرة وفي تزايد مستمر  تهدد حياة المجتمع و مؤسساته و تؤدي إلى ضياع فئة الشباب. وانطلاقا من فكرة أن الأحداث الجانحين يعتبرون ضحايا لظروف  إجتماعية قاهرة وأن وراء كل  حدث جانح قصة يخفيها ، وإذا ظلت هذه الظروف قائمة فعقاب الحدث الجانح لا يكون ذو فائدة، فقد أورد الدكتور خيري خليل الجميلي أهمية علاج الأحداث في النقاط التالية
– أ-الجانب التربوي والتاهيلي :
 : 1 -تنظيم و إيجاد شبكة العلاقات الإجتماعية للحدث حتى يتكيف مع نفسه و مع المجتمع الذي يعيش فيه؛
-2  إكسابه الصفات الاجتماعية الحسنة و تتناول: القدرة على التفكير الواقعي و المدرك لحقائق الأمور؛   القدرة على القيادة و التبعية و إدراك المسؤوليات و معرفة حقوقه وواجباته؛
 3 – إدراك أهمية النظام و تقديره في الحياة؛
 4 – الرغبة في الخدمة العامة بحيث يكون لديه الاستعداد لتقديم الخدمات في المجتمع الذي يعيش فيه،
 5 – تقدير أهمية العمل المنتج سواء كان عملا فكريا أو يدويا؛
 6 – غرس حب اللياقة البدنية و الاستمتاع بالصحة الجيدة؛
  7 – الإحساس بالسعادة لتأقلمه  مع المجتمع و لما يحيط حياته من تكيف اجتماعي و نمو خلال هذا التكيف. .[6]
– ب-الجانب المهني: مع ظهور الاتجاهات الجديدة حول العلاج بالعمل، أصبحت المؤسسات تهتم بتكوين  الأحداث و تأهيلهم مهنيا لمساعدتهم على صقل مواهبهم واكتساب حرفة أو مهنة تساعدههم على إعادة الإدماج في المجتمع، ففي العمل يبذل الجانح جهدا يخرج من خلاله طاقاته و يحقق ذاته . فالعثور على عمل بعد الخروج من المؤسسة المتخصصة في الحماية والتهذيب  يتطلب عناء كبيرا لأن أرباب العمل لا يحبذون تشغيلهم و يشككون حتى في كفاءاتهم، وهذا يجعل المشرفون على التكوين المهني يولون اهتماما لهذا الموضوع ويسخرون طاقاتهم لمساعدة الحدث الجانح والذي له رغبة في العلاج  وتأهيل نفسه و تقوية قدراته أن يرسم لنفسه طريقا جديدا توصله إلى بر الأمان والابتعاد بنفسه عن  الضياع ، إن مسألة علاج جنوح الأحداث مرتبط بتوفير الجو المناسب للتعلم و تنمية الذات و خلق فضاء خصب للتكوين و التأهيل المهني و هي مسؤولية تتقاسمها كل فءات المجتمع ، مؤسسات و أفراد .
عبد العزيز صبري 
طالب باحث في العدالة الجناءية وحقوق الإنسان ، تخصص عدالة الأحداث
————————————————————————————————-
[1] –  محمود سليمان موسى.قانون الطفولة الجانحة. دراسة مقارنة في التشريعات الوطنية والقانون الدولي .منشاة المعارف .سنة 2006.ص.ص:330
[2] –    المادة 482.من قانون المسطرة الجنائية المغربي.
[3] –  ابراهيم يوسات. حماية الأحداث الجانحين في ضوء قانون المسطرة الجنائية والعمل القضائي ومؤسسات التنفيذ.بحث لنيل دبلوم الماستر .وحدة العلوم الجنائية وحقوق الإنسان.جامعة محمد الخامس –اكدال-كلية الحقوق.الرباط .سنة 2011/2012.ص: 58.
[4] – ابراهيم يوسات.مرجع سابق.ص: [46].
[5] – مفهوم عدالة الأحداث في المعايير الدولية لحقوق الإنسان  الدكتور علي العباس ، عدالة من أجل الأحداث 20_21 غشت 2013.
[6] – خيري خليل الجميلي: الخدمة الاجتماعية للأحداث المنحرفين،المكتب الجامعي الحديث،الإسكندرية 1994ص ص95-96



شاهد أيضا
تعليقات الزوار