بين المرونة والصرامة: هل يمكن تحديث نظام العطل لدى رجال الامن بين فرنسا والمغرب؟

تطرح احيانا وقائع تثير نقاشا مهنيا مهما،من بينها حالة شرطيين تابعين للشرطة الوطنية الفرنسية قاموا بتمديد عطلهم السنوية عبر مكالمة هاتفية اثناء تواجدهم خارج بلدهم، هذه الواقعة تفتح باب المقارنة مع ما هو معمول به داخل المديرية العامة للامن الوطني،وتدفع للتساؤل: هل يمكن اعتماد نفس المرونة داخل النظام المغربي؟
في النموذج الفرنسي،تمنح مساحة من المرونة في تدبير العطل،خاصة في الحالات الاستثنائية،حيث يمكن التواصل مع الادارة بوسائل سريعة لطلب التمديد،على ان تتم تسوية الوضعية لاحقا،هذا الاسلوب يعكس توجها اداريا حديثا قائما على الثقة وسرعة التفاعل مع الظروف الطارئة.
اما داخل المديرية العامة للامن الوطني،فالمقاربة اكثر ضبطا وانضباطا،حيث يخضع تمديد العطلة لمساطر واضحة وموافقة مسبقة عبر السلم الاداري. وفي الواقع المهني،يعتبر تمديد الاجازة السنوية بعد انتهائها امرا شبه مستحيل،نظرا لارتباطه بحسن سير المرفق الامني ومتطلبات الانضباط. ومع ذلك، من المهم التاكيد على ان المديرية العامة للامن الوطني توفر مرونة انسانية معتبرة في حالات استثنائية داخل الاطار القانوني، وهو جانب يحسب لها.
فمثلا عند وفاة احد افراد عائلة الشرطي او مرض احد الابناء، او خضوع احد الاصول او الابناء لعملية جراحية، تمنح المديرية العامة للامن الوطني الحقوق الكاملة لموظفيها، بشهادة رجال الامن الوطني، حيث يتم تمكين الموظف من مغادرة العمل فورا، والاستفادة من 48 ساعة (يومين) كراحة استثنائية او يومين للاستشفاء واجراء العملية، مع تسوية الاجراءات الادارية لاحقا.
وهناك مجموعة من الحقوق الاخرى التي لا يتسع المجال لذكرها، وهو ما يعكس حرص الادارة على مراعاة الجانب الاجتماعي والانساني لموظفيها منذ وصول السيد الحموشي الى قيادة المديرية العامة للامن الوطني. غير ان الاشكال يبرز عند محاولة القياس على هذه الحالات، خاصة فيما يتعلق بتمديد العطلة السنوية، فالقواعد المعمول بها تظل صارمة في هذا الباب، حيث لا يسمح عمليا بتمديد العطلة بعد انتهائها، بل ان الادلاء بشهادة طبية مباشرة بعد العطلة السنوية يقابل في كثير من الاحيان بالرفض، وقد يعرض الموظف لاجراءات تاديبية صارمة، وذلك تفاديا لاي استعمال غير مشروع لهذا الحق، الا في الحالات القهرية التي تستوجب الادلاء بالوثائق اللازمة واشعار الادارة في الوقت المناسب، خاصة اثناء خضوع الموظف لعملية جراحية او وفاة احد الاصول عند انقضاء الاجازة السنوية، وهو ما يظل خاضعا للترخيص المسبق في اطار مراعاة المديرية العامة للامن الوطني للجانب الاجتماعي والانساني.
هذه الصرامة تفهم في سياق الحفاظ على الانضباط وضمان استمرارية العمل الامني، لكنها تطرح في المقابل تساؤلات مشروعة: هل يمكن ادخال قدر من المرونة المشروطة دون المساس بهيبة النظام والانضباط المهني؟
من زاوية اصلاحية، يمكن التفكير في نموذج متوازن داخل المديرية العامة للامن الوطني، يتيح تمديدا استثنائيا في بعض الحالات العادية عبر اشعار هاتفي او بوسائل رقمية، مع الحصول على الموافقة من السلطة الرئاسية المختصة، على ان تتم تسوية الوضعية الادارية لاحقا. وبهذا الشكل، يمكن الحفاظ على الانضباط، مع الاستجابة للظروف الانسانية التي قد تواجه رجل الامن خارج ارادته.
وفي الختام، يظهر ان الفرق بين النموذجين ليس في وجود او غياب الحقوق، بل في طريقة تدبيرها، وبين الصرامة اللازمة لطبيعة العمل الامني، والمرونة المطلوبة لمواكبة الواقع الانساني، حيث يبقى التحدي هو ايجاد توازن ذكي يحفظ كرامة الشرطي ويضمن في الان ذاته استمرارية المرفق العام بكفاءة.
كما ان هناك اشكالا عمليا اخر يطرح بقوة في تدبير الاجازات السنوية والرخص الاستثنائية،يتمثل في كون مختلف المناطق الامنية التابعة للولايات الامنية تقوم بتوجيه طلبات موظفيها الى ولاة الامن قصد توقيعها،وهو ما يؤدي الى تراكم عدد كبير من الطلبات،وتاخر وصول الاجازات في الوقت المناسب.وفي هذا السياق،يبرز مطلب مهني مشروع يتمثل في ضرورة تدخل السيد المدير العام للامن الوطني لاعطاء تعليماته من اجل تفويض وتمكين رؤساء المناطق الامنية من صلاحية توقيع اجازات الموظفين العاملين تحت امرتهم مباشرة عوض ارسالها الى ولايات الامن التي تبعد عن المناطق الامنية بأكثر من 120 كلم الى 160 او اكثر.
تجدر الاشارة الى ان المكافاة التحفيزية الاساسية،بل والوحيدة تقريبا،التي يمتلكها رؤساء المناطق الامنية لتحفيز موظفيهم،تتمثل في منح الرخص الاستثنائية وتسريع الاستفادة من الاجازات السنوية.غير ان هذا الدور التحفيزي اصبح محدودا في ظل عدم تمكينهم من توقيع الاجازات، مما يطرح تساؤلا جوهريا: كيف يمكن لهؤلاء المسؤولين،وهم في درجات عليا ويتحملون مسؤولية التاطير والتدبير اليومي،ان يحفزوا ويكافئوا العناصر التي تعمل تحت امرتهم؟
(ولاية اكادير وبني ملال نماذج بيروقراطية في تدبيرالرخص الاستثنائية والاجازات السنوية).
ان تمكين الموظف من الاستفادة من اجازته في وقتها وبسرعة معقولة يظل من اهم وسائل التحفيز المعنوي،وقد كان هذا الامر معمولا به سابقا، حين كانت الاجازات توقع على مستوى المناطق الامنية،حيث كانت تعالج الطلبات في ظرف وجيز لا يتجاوز بضع ساعات.اما اليوم، ومع اعتماد مسطرة شبه مركزية تحيل الملفات على ولاية الامن،فقد اصبحت العملية تستغرق احيانا عشرة ايام او اكثر،وهو ما يفقد هذا الاجراء طابعه التحفيزي ويؤثر سلبا على مردودية العمل وروح المبادرة لدى الموظفين.
ان اعتماد هذا الاجراء من شانه ان يخفف الضغط الاداري،ويسرع معالجة الطلبات،ويضمن استفادة الموظفين من اجازاتهم في الوقت المحدد،دون المساس بمبدا الانضباط، بل في اطار حكامة ادارية اكثر نجاعة وفعالية، ليبقى التساؤل مطروحا:
ما قيمة عميد اقليمي،او مراقب عام،او والي امن يرأس منطقة امنية،اذا كان لا يستطيع توقيع اجازة سنوية لموظف يعمل تحت امرته المباشرة؟
ويبقى التساؤل العميق هو اي معنى بقي للقيادة والمسؤولية،اذا كانت ابسط القرارات الادارية،واكثرها ارتباطا بالحياة اليومية للموظف،تسحب من يد المسؤول الميداني وتحال الى مستويات مركزية؟ أليست السلطة دون صلاحية مجرد صفة شكلية؟ وأليس تمكين المسؤول من ادوات التدبير هو جوهر القيادة الحقيقية؟ هذا التساؤل يفرض نفسه بقوة اليوم،في ظل واقع اداري يجعل من ابسط حقوق الموظف مسارا طويلا ومعقدا، بدل ان يكون قرارا سريعا بيد من يعرفه ويشرف على عمله يوميا.



