جمعيةالإشعاع الثقافي بتيفلت: أسماعيل البويحياوي صوت متفرد


صوت متفرد
هكذا قدمت “جمعية الإشعاع الثقافي المبدع إسماعيل البويحياوي إلى الجمهور الذي حج الى دار الشباب بمدينة تيفلت لتقاسم لحظات من الومض المكثف و السرد الجميل عبر قراءات قصَيِِصِية و تدخلات نقدية’للأساتذة النقاد : حسن خرماز.. محمد يوب .. محمد اكويندي . أثرت التفاعل بين المبدع و الحضور.
الكلمة التقديمية كانت للشاعر الفيلسوف عبد الحميد شوقي ’ جاء فيها:
 (“مع كل صباح، وقبل مغادرة دفء فراشي، أستل كمشة أحلام من حقيبة نومي . أشحن بها مسدسي .. أبحث عن ضحية جديدة بين دروب هذه المدينة الكافرة بالأحلام .. وكلما كشفني مخبر أطلق عليه
حلما
واحدا
فقط .”
هكذا يقول إسماعيل البويحياوي هازئا من رؤانا الساذجة التي تعودت الارتهان للاختبارية الفجة ، حيث الأشياء هي الأشياء في انتظامها الطبيعي العادي . بالمقابل ، سنرد على سخريته الماكرة ونستدرجه إلى ضفة الجريمة لنسدد نحوه طلقة من واحدة من أحلامنا العديدة . نستدرجه إلينا لكي نواجهه بنفس سلاحه الإجرامي الذي يشبه وجع الخروج إلى الحياة . هو العابث بنا ، حين يسحبنا من تلابيب ذائقتنا المترهلة لكي نرى تاريخنا الطويل كما لو كان عبارة عن فيلم :
” سقط سهوا من معترك حلم شرعي عليه طابع جد القبيلة الشريف . أدخلَ يده في حالمته المعطلة . استل جثة جده العتيدة . أطلق عليها النار وحلق في سرب الأحلام الجميلة . ”
هكذا يصدمنا إسماعيل البويحياوي عندما يجعل من إطلاق النار على جثة الماضي شرطا وجوديا للتحليق في سرب الحياة الجميلة بكل ما تقتضيه من أحلام جديدة تليق بالحاضر . يصبح البطل “ملاكا شيطانا” ، يمتزج الخطاب على فمه بالعسل ، وتشع من عينيه البراءة والنور ، لكن الحقيقة تظهر في شكل علقم يفيض من فمه وشرارات غضب تنقذف من عينيه . فيكون الفتك والطوفان .
في كلمات قليلة وصور مقتضبة وبياض يملأ الرؤية ، يدفعنا القاص الجديد نحو الحواشي والهوامش واللامرئي واللامتوقع ، لكي نكتشف بأنفسنا ما تم السكوت عنه في الواقع ، وما يتخفى من غموض خلف البديهي والواضح وما ينفلت من رغبات. لم نعد أمام السارد الذي يقود خطواتنا في الرواية بكل ما يمتلكه من شساعة في القول وفائض في تقنية السرد . نحن أمام جنس أدبي في طور التكوين والتشكل ، لا ينهض إلا على الفراغ ، ولا يجد في الماضي البعيد غير اليتم وانقطاع النسب .لذلك تولد القصة القصيرة جدا متوترة، غاضبة، هازئة، تميل نحو الظلال أكثر من استكانتها إلى الأضواء، وتبحث عن بلاغتها الخاصة، وطريقتها الملتوية في تسمية الأشياء وإعادة تركيب العالم لاحتضان ما يعج به من متناقضات ومفارقات وصراعات ومناطق مظلمة . تشبه تجربة القاص الجديد هنا ما يتفوه به المريض النفسي من كلمات تبدو للوهلة الأولى غير منطقية ومنفصلة عن الواقع الحقيقي .لكن هذه الكلمات المنفلتة الضاجة بالهذيان هي ما يشكل منطلق الحقيقة الخفية والرغبة المحرمة والدوافع المتوارية خلف ستار الشعور وثقل الأخلاق. من هنا هذا الارتباط الوثيق بالحلم وتداعياته ولغته الخاصة التي تستوجب من المتلقي أن يتعامل معها من دون خلفيات مسبقة من أجل البحث عن دلالاتها الضاربة في عمق التاريخ والطفولة والمجتمع:
“حكى حارس المقبرة أنه يرى في الليل عجبا . الأموات يحتشدون أمام قبر مؤرخ الأمبراطورية. يخرج إليهم خجلا . يعتذر منهم . وبيقين المؤرخ الذي لم يعد رسميا، يمحو وقائع الزيف الضاجة في مؤلفاته، ويدون حقائق لا يدركها سوى من ذاق طعم دار البقاء. ” بهذا المنطق غير المألوف، يتيح القاص لدواخله
أن تفصح عن وقائع دفينة مرتبطة بماضيه البعيد، وكأنه يهرب من ثقل الواقع العنيد، فلا يجد غير صورة الأم بكل رمزيتها وحنوها وجنتها وقد تلبست صورة ابنته، مثلما تلبس هو صورة الابن والأب، مثلما يصبح الحضن الأمومي مضاعفا: ” كانت أمي تحضن بنتي. التفتت إلي وسقتني نظرة أيقظت الطفل المنسي في . أبوكِ هذا الكهل ابني . لعب هنا حتى كبر . ابني أنا . ووضعتْ رأسي على صدرها. وبينما أنا في الحضن، الذي في الحضن، غُمِستْ يدٌ في شعري، فتحرك في دواخلي دفء حليب دافق على شفتي. لحستُ شاربي، وتنسمت شذى الجنة. وأنا أراني، هناك بعيدا أحمل بين يدي صبية كأنها أمي أو ابنتي.”
سيطول الافتتان بتجربة القاص إسماعيل البويحياوي، ومن أجل ذلك تجدد جمعية الإشعاع احتفاءها بما تسميه “صوتا متفردا”، لكي تتيح للمبدع فتنة الحكي والبوح وفتح مغاليق التجربة الذاتية في كل تعقيداتها وإشراقاتها من خلال السؤال والحوار والتواصل الحميم بينه وبين الشغوفين ببهاء الكلمات من الجمهور الحاضر معنا في هذه الأمسية الدافقة . )
خلال الأمسية تألق المبدع في ردوده لأنه قلم أصيل يوظف وعيه لكتابة الحياة و المجتمع و القيم الإنسانية. و تألق أيضا في قراءته لبعض نصوصه التي فتحت جزءا من سراديب وعيه للمتلقي و قربته من كتابة ذات كيمياء متجانسة:الشاعرية/عذوبة اللغة/تسلسل الصور الرؤى –حبكة الإخراجتواطئ التخييل مع الذاكرة لجعل الكتابة ترنيمات و أصداء للزمن و المكان و روح المبدع.
إسماعيل البويحياوي مسار إبداعي غني جدير بالتأمل. خصوصيته تأتي من احتفاءه بالتكثيف و الومض و تلاحم السارد بشخوصه التي يبتدعها خصيصا لتسافر به إلى كنه ذاته و مشارف لاوعيه.
********************************
عزيزة رحموني إعلامية مترجمة من المغرب


شاهد أيضا
تعليقات الزوار