المسيرة الخضراء ملحمة ملك وشعب أبي



المسيرة الخضراء ، الحدث العبقري بامتياز ، تجلت في مبدعها  الحسن الثني رحمه الله من جهة ، وفي مغزاها ، وتاطيرها ، وحجمها ، والمشاركين فيها من أبناء الشعب المغربي إلى أصدقاء المغرب…

أيام عصيبة

حسب المقربين من المبدع الملك الراحل الحسن الثاني ، تغير مزاجه منذ بداية أكتوبر 1975، حيث أضحى سريع الغضب لا يأكل ولا ينام إلا نادرا، يكاد لا يفارق سماعة التلفون.

كان الحسن الثاني يتابع لحظة بلحظة تحركات المتطوعين الـ 350 ألف في المسيرة الخضراء منذ انطلاقة المجموعة من مختلف جهات المملكة وتجميعها بمخيمات أقيمت بضواحي طرفاية وطانطان، ثم الانطلاق نحو “الطاح” لاختراق الحدود بعمق 15 أو 20 كلم، وإقامة مخيم هناك على مسافة قريبة من موقع تمركز الجيوش الاسبانية. آنذاك تمكنت عناصر من الجيش المغربي من التسلل إلى الصحراء، وقبل ذلك بيومين (فاتح وثاني نونبر) حدثت اشتباكات في شمال الصحراء بين عناصر القوات المسلحة ومقاتلي البوليساريو، الأول أسفر عن سقوط 50 قتيل والثاني عن 37 قتيلا.

يقول الصحفي الاسباني “خافيير توسيل” في إحدى مقالاته الشهيرة، نشرها تحت عنوان “المسيرة الخضراء التي حركت مسلسل استرجاع المغرب لصحرائه الغربية”، لقد جرت مقابلة في 21 أكتوبر 1975، بين الحسن الثاني والمبعوث الاسباني، “خوصي صوليس” لتدارس عواقب قرار المغرب بتنظيم مسيرة جماهيرية سلمية نحو الصحراء الخاضعة آنذاك للحكم الاسباني.. وأضاف أن الملك الحسن الثاني وصف ذلك اللقاء بأنه حديث من “أندلسي إلى أندلسي”.

وكان صوليس غير مؤهل ديبلوماسيا للقيام بهذه المهمة، إذ لم تكن تربطه أي علاقة يالحسن الثاني، ولا يعرف الكثير عن المغرب، فكل سوابقه بهذا الخصوص تدل أنه خرج للصيد ذات مرة رفقة الحسن الثاني، إذ لم يبرم أي اتفاق خلال هذا اللقاء، إلا أنه حدد مسار كل الأحداث اللاحقة، وانتهى الأمر بجلاء اسبانيا عن الصحراء.

يقول “توسيل” خلال هذا اللقاء تبادل الملك والمبعوث الاسباني عبارات كيفت الأجواء ووجهت الخواطر نحو البحث عن انفراج للأزمة التي نشبت بين المغرب وإسبانيا، هذا في وقت كان الديكتاتور فرانكو قد دخل فترة الاحتضار.

علما أن الحسن الثاني، حينما قابل “صوليس” لم يكن يعرف بخطورة الحالة الصحية لفرانكو، وقبل أسابيع كانت هناك دعوة أوربية لقطع العلاقات مع مدريد على إثر إعدام أعضاء من منظمة “إيطا” الباسكية”، إذ شنت آنذاك حملة عالمية قوية ضد حكم فرانكو بعد الأحكام القاسية الصادرة في حق أولئك، ضمنهم سيدة حامل. ندد الإعلام ومعه مختلف المحافل الديبلوماسية، شرقا وغربا، بفرانكو، باستثناء بلدين اثنين في العالم أجمع، الشيلي (في عهد بينوشي) والجزائر “(في عهد الهواري بومدين)، آنذاك انفردت جريدة “المجاهد” الجزائرية بالقول إن نظام فرانكو ضحية لحملة صهيونية بسبب موقفه المؤيد للعرب، ومن الأسباب التي دفعت الجزائر إلى اعتماد هذا الموقف الغريب آنذاك، الحفاظ على ود وزير الخارجية الاسباني “كورتينا إي ماوري” الممثل للتيار المراهن على الجزائر، المناهض للتيار داخل حكومة فرانكو، الذي كان يريد التخلص من ملف استعماري ظلت اسبانيا تجره معها وجلب لها متاعب في المجتمع الدولي وعمق عزلتها، وكاد أن يلقي بها في فتن داخلية على غرار ما وقع في البرتغال بعد اندلاع ثورة القرنفل.

كان للجزائر آنذاك دافع خاص، الحفاظ على التفاهم مع “كورتينا إي ماوري” بخصوص الصحراء، إذ كان هذا الأخير بصفته وزيرا للخارجية يعتمد بقوة على التزكية الجزائرية لموقف إسبانيا الهادف إلى إنشاء نظام انفصالي بالصحراء، ضدا على المغرب الذي طالب استعادة السيادة على أقاليمه الجنوبية، معززا آنذاك بموقف مبدئي من لدن الجامعة العربية، التي صرح أمامها الرئيس الجزائري الهواري بومدين، في قمة 1974 قائلا بأن الجزائر لا مطلب لها في الصحراء، لا برا ولا بحرا، وإنها تؤيد الاتفاق المغربي الموريتاني، بل زاد على ذلك بتأييدها للمغرب في استعادة سبتة ومليلية من اسبانيا. علما أن التقارب بين “كورتينا” ونظيره الجزائري بشأن الصحراء، كان قد تبلور في محكمة “لاهاي” الدولية منذ مايو 1974، حيث انبرى المندوب الجزائري آنذاك، البيجاوي، لتعزيز الأطروحة الاسبانية بشأن الأرض الخلاء، وكذلك كان الأمر في عدد من المحافل الدولية، إضافة إلى تحريك الأدلة الإعلامية الجزائرية في اتجاه تكريس نظرية تقرير المصير.

ومن أقرب المقربين للحسن الثاني في هذه المرحلة الصعبة، مؤنسه وجليسه “الفقيه بين بين” الذي رافقه على امتداد 33 سنة لم يفارقه خلالها حتى آخر لحظة في حياته، وقد عرف المرحوم “بين بين” بصراحته وجرأته وعدم تهيب الجلوس في حضرته.

قال “بين بين” تغيرت عادات الملك الحسن الثاني فجأة ولم يعلم أحد سبب هذا التغيير، إذ لم يعد يحلو له أن يقرأ الكتب ويناقش مجالسيه ومحاوريه حول محتوياتها كما كان من قبل، ولم يعد يدخل مع مؤنسه في مساجلات أدبية يتبادلان خلالها قرض الشعر ويتنافسان في الإتيان بالأجود من المعاني والألفاظ، تغير كل هذا وامتلك غضب مستمر الملك، وبدأ يقضي فترات طويلة من الليل والنهار في التأمل والتفكير العميق.

أضحى يفضل العزلة وانقطع عن تناول الأكل، وبلغ الحد بالمؤنس إلى محاولة دفعه لتناول ولو ياغورت أو عصير، ورغم استخدام كل ما في جعبته من ظُرف فكاهة ونفس مرحة وذهن يقظ، واستغلال ود وثقة ومحبة الملك له، لم ينجح مرارا في إقناع الملك بتناول ولو جزء يسير من الطعام خلال تلك الفترة.

ومن اللحظات العصيبة، تلك المرتبطة بسعي الحسن الثاني إلى إرغام مدريد “الفرانكاوية” على قبول المفاوضات المباشرة، حيث لم يهدأ باله إلا بعد نيل مراده.

فتحت التهديد الذي شكلته المسيرة الخضراء، في وقت كان فيه الجنرال فرانكو طريح الفراش، لم يبق أمام اسبانيا إلا قبول المفاوضات مع المغرب وموريتانيا، والتي ستنتهي باتفاقية 14 نونبر 1975 مُحوّلة إدارة الأراضي الصحراوية إلى كل من الرباط ونواكشوط في 28 فبراير 1976.

وحسب “موريس باربيي” (Maurice BARBIER) أمر الحسن الثاني ليلة 6 نونبر بإبلاغ مدريد بأن المسيرة الخضراء ستواصل طريقها، اللهم إذا قبلت الحكومة الاسبانية بداية المفاوضات الثنائية فور تسليم الصحراء للمغرب وإقرار سيادته عليها، ولم يستبعد الملك آنذاك مواجهات بين متطوعي المسيرة والقوات الاسبانية إن لم تقبل إسبانيا خوض المفاوضات، وأضاف الحسن الثاني… وفي حالة حدوث مواجهات ستضطر القوات المسلحة المغربية للتدخل، وكان هذا بمثابة تهديد مباشر وصريح، علما أن الرباط نفت ما أقر به “موريس باربيي” الذي استمر في الدفاع عن صحة ما نشره، مضيفا أن الوزير بنهيمة هو الذي تكلف بإبلاغ الرسالة المتضمنة للتهديد إلى سفير اسبانيا بالرباط، والتي كشفت مدريد عن فحواها بعد عرضها على مجلس الأمن في اجتماعه الطارئ يوم 6 نونبر 1975، ورغم هذا قامت اسبانيا كذلك بتكذيب أن تكون عرضت الرسالة المذكورة على مجلس الأمن لكنها لم تنف فحواها (جريدة “لومند” 8 نونبر 1975، ص 3).

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار