طنجة: رشيل صاحبة مكتبة كولون تروي أسرار يهود طنجة

عندما يندثر جيلي .. ستفقد طنجة آخر يهودها” “أنا هنا لأنني أحب طنجة. أنا طنجاوية قبل كل شيء، والناس عادة ما يسألونني: ماذا يعني أن تكون طنجاوياً”؟ هكذا تعرف راشيل مويال نفسها؛ امرأة نشطة تتنقل بين أروقة معرض طنجة الدولي للكتاب والفنون. أدارت راشيل وأشرفت على أكبر مكتبة في شمال المغرب، مكتبة الأعمدة (Les Colonnes)التي زارها عمالقة الأدب من كل الآفاق. جذور هولندية “لا أدري ماذا فعل جدي من حسنة كي يحصل على حماية الدولة الهولندية”، تقول راشيل وهي تسرع الخطى لحضور مائدة مستديرة تحت عنوان: “في خضم البحث عن الأخلاقيات”، والتي كان سيحضرها وزير الثقافة المغربي الفيلسوف بنسالم حميش. لم يحضر الوزير، ولكن رجال الأمن حضروا وعسكروا أمام “قصر المؤسسات الإيطالية” المعروف كذلك بقصر مولاي حفيظ. تقول راشيل، اليهودية المغربية المغرمة بطنجة، إن جدها من جهة أبيها يدعى إلياس مويال كان من “رعايا” الدولة الهولندية، إذ حصل على “الحماية” الهولندية مع بداية القرن العشرين. كما أن والدها جوزيف مويال قاتل في صفوف الجيش الهولندي، بحكم جنسيته، خلال الحرب العالمية الثانية. ومعروف أن عددا كبيرا من المغاربة، يهودا ومسلمين، كانوا يُستقطبون أو يسعون بأنفسهم للحصول على الحماية الأجنبية من الهيئات الدبلوماسية المتمركزة في طنجة، لدرجة أن مسألة “الحماية الأجنبية” كانت إحدى أوراق الضغط التي استخدمتها الدول الأوربية الطامعة في استعمار المغرب، وخاصة فرنسا وإسبانيا. وكان المحميون، ومنهم شخصيات مغربية ذات وزن سياسي وروحي آنذاك، يعدون من رعايا الدولة الحامية، وبالتالي لا يخضعون للقوانين والتشريعات المغربية. يهود طنجة أكثر من 17 ألف يهودي مغربي كانوا يعيشون في طنجة حينما كانت هذه المدينة تخضع للنظام الدولي. أما الآن فلم يبق منهم سوى 75 مسنا. فأين ذهب الباقون؟ تقول راشيل إن 90 في المائة من يهود طنجة كانوا من الأطر العليا والكفاءات المالية والبنكية. هؤلاء غادر معظمهم نحو العواصم الأوربية كجنيف وباريس ولندن، حيث استثمروا مهاراتهم. بينما الأقل حظا منهم في التكوين والمعرفة هاجروا نحو دول أمريكا اللاتينية وكندا، ونسبة منهم نحو إسرائيل. راهنُ اليهود المغاربة في طنجة لا يعني الشيء الكثير، ولا مظاهر دالة عن تواجدهم سوى كنيس شبه مهجور وناد يرتاده أسبان ومغاربة. يهود طنجة يعيشون على الذكريات ونوستالجيا الزمن الذي ولى. نادي “كازينو طنجة” الذي شهد في الماضي على مجد الوجود الثقافي اليهودي في طنجة كُتب على لافتة علقت على بابه: “يحظر الدخول إليه إلا للمشتركين”. وحتى الصلاة الجماعية في الكنيس الوحيد لا تتم إلا بعد التواعد عليها هاتفيا. “النشاط الوحيد، تقول راشيل، الذي تقوم به الجالية اليهودية في طنجة اليوم هو تنظيم منافسات في لعبة البريدج”. كانت الجالية اليهودية في المغرب من أكثر الجاليات عددا مقارنة بالبلدان العربية الأخرى. وتقدر راشيل عدد اليهود المغاربة في الوقت الحاضر في حدود ألفين، يتمركز معظمهم في مدينة الدار البيضاء عاصمة المغرب الاقتصادية. غير أن راشيل تؤكد أن اليهود المغاربة، وعلى الرغم من مغادرتهم لبلدهم، ما تزال تربطهم به صلات قوية ويقومون بزيارته باستمرار، وخاصة يهود مدينة طنجة. ذاكرة مشتركة “هناك شيء فظيع حدث مؤخرا”، تبادر راشيل بالقول عند بدء المقابلة، مضيفة: “لقد أقدمت السلطات المحلية على هدم مستشفى بن شيمول”، وهو أول مستشفى يبنى في طنجة مع بداية القرن العشرين. ومع أنها عاجزة عن إيقاف عملية الهدم، فإنها تأمل أن لا يكون ذلك من أجل بناء عمارة. “آمل حقيقة أن لا يكون هدم المستشفى من أجل بناء عمارة. آمل أن يبقى هذا المكان فضاءا مفتوحا يحمل اسما يهوديا”؛ اسم صاحب المستشفى بن شيمول. لم تقم راشيل بخطوات عملية لدى السلطات المعنية لتوضيح هذه الرغبة، “لأنني لا أملك أية سلطة”، تقول بحسرة. ولكن ثقتها في “العقلاء” كبيرة ليعملوا على حفظ ذاكرة طنجة المشتركة. “أرى أن يقام في طنجة ما يذكّر بالوجود اليهودي فيها. تذكار أو أحجار تذكّر بأن طنجة عاشت فيها جالية يهودية اندمجت فيها وأسدت لها خدمات، كما أسدتها لكل المغرب”. وداعا كتبت راشيل كتيبا صغيرا تحت عنوان: “سنواتي في مكتبة الأعمدة”، تستعرض فيها حياتها كبائعة غير عادية للكتب. هذه المكتبة التي انتقلت ملكيتها الآن إلى الفرنسي بيير بيرجيه Pierre Bergé، كانت طيلة عقود مزارا ومقصدا لأشهر الكتاب الذين احتضنتهم طنجة وآوتهم، أو من مر منها عابرا ليغادرها عاشقا، مثل بول بولز، محمد شكري، الطاهر بنجلون، رشيد التفرسيتي، تينسي وليامس وغيرهم كثير. وتختم راشيل ذكرياتها عن المكتبة بكلمة: “وداعا” مكتوبة بأربع لغات هي الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والعربية، وكأنها تودع طنجة باسم من تبقى فيه من يهودها. “حينما يندثر جيلي من يهود طنجة، من سيسكنها بعد ذلك من اليهود”؟


شاهد أيضا
تعليقات الزوار