فضيحة الصحافة

فضيحة الصحافة
محمد الغول رئيس التحرير بإذاعة كاب راديو
استشرت مؤخرا في صحافتنا وخاصة منها أوساط الصحافة المكتوبة والإلكترونية ,ظاهرة جديدة تنذر بالأسوأ في مقبل الأيام بالنسبة للصحافة المغربية ,ففي وقت كان يتم فيه الحديث عن سبل الرقي بهذه المهنة النبيلة ماديا وقانونيا وحتى معنويا ,جاءت هذه الظاهرة لتؤكد أن الأمر ربما يحتاج أكثر من ذالك لتحسين الممارسة الصحافية في بلادنا , الظاهرة تتمثل في استسهال الصحافيين مهاجمة زملائهم وكشف عوراتهم واستعمال أساليب السب والشتم والقذف والاتهام في حق هؤلاء الزملاء على ورق الجرائد وصفحات المواقع الإلكترونية.
هذه الظاهرة التي تتمدد بشكل خطير ,تطرح أكثر من علامة استفهام وتساؤل عن غياب الوازع الأخلاقي في مهنة لا يمكن بالأساس ممارستها في غياب هذا الوازع ,باعتبار أنه الرادع الأقوى اضافة الى الرادع القانوني لتجنب استعمال هذا السلاح الفتاك الذي هو الاعلام في غير وجه الحق الذي يجب أن يتوجه اليه, باعتباره سلطة رقابة مجتمعية تساهم في تحقيق التوازنات التي يجب أن تتوفر في السلط المجتمعية, لكي يتمكن المجتمع من تجاوز كثير من المزالق التي قد يؤدي اليها استعمال السلطة أو تركزها في جانب واحد .
الذي جعلني أتطرق لهذا الموضوع بالكتابة ,هو الدعوة المفتوحة التي طرحها كثير من الزملاء الى ميثاق أخلاقي يمنع هذا الصيد في المياه العكرة, وتصيد الأخطاء والزلات واصطناعها وتبادل الاتهامات ما صح منها وما بطل ,مابين زملاء نفس المهنة كأنهم يطبقون بذالك المثل الشعبي الدارج الذي يقول ( خوك فالحرفة عدوك ) ,وأنا أقول مثل هذا قد يصلح في كل الحرف والمهن بحكم عداوة التنافس وليس عدواة الدم, الا في هذه المهنة النبيلة التي تكاد تتحول في ظل هذه الأجواء الموبوءة التي نمارسها فيه الى سبة وعيب أن تقول أنا صحافي ,في حين تعد هذه المهنة في كل العالم ميزة وشرفا أن تمارسها وتتصدى لممارسة هذه المهنة التي تحولت عندنا الى مهنة من هب ودب ,ومن لا مهنة له وخاصة في ضوء استشراء موضة المواقع الإلكترونية التي تسمي نفسها زورا وبهتانا بالمواقع الاخبارية .
أساند من دعا من الزملاء الى ميثاق أخلاقي لهذه المهنة ولكني أتسال هل ينفع الميثاق الأخلاقي مع من لا أخلاق له , وهل من يسمح لنفسه ببيع ضميره وقلمه في مقابل دراهم معدودة أو مصلحة خاصة قد ينفع معه مثل هذا الميثاق الأخلاقي ,وهو الذي لم يحترم نفسه قبل الأخر , أكيد أن الأمر يحتاج أكثر من هذا الميثاق وفي الأصل الأخلاق لا تحتاج الى ميثاق فهي اما موجودة أو منعدمة .
ابتلاء الممارسة الصحافية في بلادنا بمثل هذه الظواهر, ولاشك يعرقل تطورها فجسم تملئه القروح بهذا الشكل تجعله في شغل عن المضي الى الأمام بمعالجة ومداواة هذه القروح ,وخاصة عندما تنفجر القروح وتسيل وكيف لقطاع يعيش أفراده على نهش لحوم بعضه البعض أن يتطور أو حتى أن يدافع عن نفسه وهو القطاع المعرض لهجمات شرسة من باقي السلط التي يصنف ضمنها رابعا , فكيف أن يتمكن من تأدية دوره في الدفاع عن القضايا العادلة في هذا المجتمع رقيبا على تجاوزات مفترضة في ممارسة بقايا السلط لسلطتها على المجتمع .
صحافة و اعلام سليم ونزيه ضرورة وحاجة لأي مجتمع, يريد فعلا أن ينجح في تحقيق توازن سليم وسلس يمكنه أن يسير دائما الى الأمام في تطلعه الى تحقيق دولة مؤسسات متكاملة, فكيف بمجتمع شبيه بمجتمعنا لازال في أول درجة على سلم هذا التحول ,الذي نسعى اليه جميعا وهو ما يجعل السؤال هنا كيف يمكننا تجاوز هذه الاختلالات الاخلاقية والمهنية التي تواجه هذا القطاع ,وهل يكفي ميثاق أخلاقي فقط لا أعتقد بل الأمر يحتاج الى أن يتفق المجتمع أولا على أنه يحتاج فعلا الى اعلام وصحافة حقيقية غير صورية , ويسمح لها بالأجواء السليمة لنموها اقتصاديا وقانونيا ومعنويا… ثم أخلاقيا والأخلاق هنا عندنا اشكالية مجتمع كامل وليس قطاعا فقط .
ارحموا بعضكم بعضا قبيلة الصحافيين فلن يرحمكم أحدا ,و الاختلاف نفسه رحمة اذا كان اختلافا لا يفسد للود قضية فاختلفوا ولا تتخلفوا وهشوا عن أنفسكم والمجتمع ولا تنهشوا في بعضكم بعضا فكل اناء بما فيه ينضح فاجعلوا اناءكم ينضح بأخلاقيات مهنة ارتضيتموها لأنفسكم والا ابحثوا لأنفسكم عن مهنة أخرى تسمح بأن يكون ( خوك فالحرفة عدوك ) .



