زيارة زعيم ميليشيا البوليساريو الإنفصالية إلى جنوب إفريقيا.. إهانة لكفاح الشعوب الإفريقية و خدمة للمصالح الإستعمارية المتجددة

في عهد بطل التحرير الملك محمد الخامس قام زعيم جنوب إفريقيا نيلسون مانديلا بزيارات متعددة للمغرب حيث إستقبله آنذاك وزير الدولة المكلف بالشؤون الأفريقية الدكتور عبد الكريم الخطيب،فمُنح له جواز سفر مغربي للتنقل في مختلف الدول الإفريقية سنوات نضاله ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.زيارات مانديلا للمغرب كانت بهدف توفير الدعم المالي واللوجستيكي وتدريب مقاتليه المنتسبين إلى منظمة رمح الأمة(أومكهونتو ويه سيزويه)التي شكلت الجناح المسلح للمؤتمر الوطني الإفريقي في الأراضي المغربية إلى جانب القوات التابعة لجبهة التحرير الجزائري التي كان مقاتلوها يخضعون لتداريب من طرف ضباط في القوات المسلحة الملكية المغربية بأمر من الراحل محمد الخامس في القواعد التي أقامها المغرب لجنود ثورة الجزائرفي مختلف مدن الشرق المغربي كتندرارة وإيش وفكيك وتويست بوبكر والزاوية بتافوغالت و بوعرفة ومركز جنان عبد الله ديدي ومراكز أخرى.مانديلا تلقى تدريبات في مركز الزاوية بتافوغالت قرب بركان على يد ضباط من الجيش المغربي إلى جانب الهواري بومدين ومحمد بوضياف وأحمد بنبلة وعبد العزيز بوتفليقةوشيخ محمد خير الدين و رابح بيطاط ويوسف دالي وجمال بن جقجي وعقيد علاهم محمد ومختار بن سعيد وعبد اللطيف بسايج وعربي طيبي و عبدالجليل خلايجي وعبد الحليم (ومران)وخالد بن علي وسعيد حديدي وملازم أول بوزيان.الدعم المغربي لإستقلال الدول الإفريقية من الإستعمار،وقد كان جزءا من إلتزام الراحل محمد الخامس بطل التحرير مع شعوبها حيث إستضافت الدار البيضاء قمة الوحدة الإفريقية في يناير 1961الذي إنصبت أشغالها على تعبئة الجهود التحررية بإفريقيا لإنهاء الحالة الاستعمارية بالقارة،وتحقيق الوحدة الإفريقية،هذا المؤتمر يعتبر لبنة أساسية في مجهودات قيام منظمة الوحدة الإفريقية حيث حضر هذا المؤتمر-الحدث خمسة زعماء دول إفريقية كبار،هم: الملك محمد الخامس و جمال عبد الناصر(مصر)،موديبو كيتا (مالي)،سيكوتوري (غينيا)،نكروما (غانا)إضافة إلى فرحات عباس رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة.فتشكلت،بفضل هذا الحضور، “مجموعة الدار البيضاء” ذات التوجه التحرري الثوري الإفريقي،مقابل مجموعة مونروفيا الموالية للخط الإستعماري الإمبريالي . بعد خروج نيلسون مانديلا من السجن و سقوط نظام الفصل العنصري،وتولي حزب المؤتمر الوطني الإفريقي مقاليد الحكم حافظ على علاقات وطيدة مع المغرب ملكا وحكومة وشعبا،وهو ما أكدت عليه برقية تعزية جلالة الملك محمد السادس إلى الرئيس السابق جاكوب زوما ” “أنه خلال توليه مقاليد الحكم،احترم الراحل شرعية المغرب في صحرائه،ولم يرغب أبدا في الاعتراف أودعم تقسيم أو تجزيء بلادي ..//بعد ما عانق الحرية،حرص الفقيد في نونبر 1994 على زيارة المملكة للتعبير عن امتنانه لها لتضامنها اللامشروط مع شعب جنوب إفريقيا الشقيق.وبهذه المناسبة،قلده والدنا المغفور له جلالة الملك،طيب الله مثواه،بأعلى وسام للمملكة،كعربون على كفاحه الاستثنائي من أجل المساواة والعدالة”. إنتهت البرقية .على هامش أشغال القمة الخامسة المشتركة للإتحاد الإفريقي والإتحاد الأوروبي بأبيدجان سنة 2017 إستقبل جلالة الملك محمد السادس الرئيس الجنوب الإفريقي جاكوب زوما،حيث قرر القائدين تنحية الخلافات السياسية جانبا والعمل على بناء علاقات ديبلوماسية بين دولتين محوريتين في إفريقيا يحمل التعاون بينهما مستقبلا،واعدا لشعوبها على أساس تعاون جنوب / جنوب ومبدأ رابح رابح .قرار جلالة الملك كان إستراتيجيا حيث كان الضربة الاولى لكسر حلقة مهمة في محور بريتوريا – لاغوس – الجزائر المعادي للوحدة الترابية إنطلاقا من رؤية تنموية صادقة وفي إطار خطة متكاملة لمحاصرة الطرح الإنفصالي في معسكر الدول الأنجلوفونية الحليفة للجزائر و جنوب إفريقيا مثل كينيا ورواندا وأثيوبيا ونيجيريا ودول أخرى.كان لابد من هذه المقدمة التاريخية المشرقة والمشرفة لتاريخ البلدين قبل أن نتطرق إلى التداعيات السلبية لزيارة زعيم ميليشياة البوليساريو الإنفصالية إلى دولة جنوب إفريقيا مبعوثا من نظام شنقريحة عبر طائرة للخطوط الجوية الجزائرية وإستقباله من طرف الرئيس الجنوب الإفريقي ماتاميلا سيريل رامافوزا.
لا يختلف إثنان على أهمية النضال العظيم الذي خاضه الشعب الجنوب إفريقي في مواجهة نظام الفصل العنصري – الأبارتايد – بين عامي 1948و1993 بقيادة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الذي يعتبر ملهما لكل الشعوب في العالم المحبة للسلام و الامن والحرية و هو مأكد عليه نيلسون مانديلا في بيان ألقاه أمام محكمة بريتوريا سنة 1962 قائلا : ” ما يكافح المؤتمر الوطني الأفريقي من أجله هو الحرية والعيش الآمن .وكفاحه كفاح وطني حقيقي.بل هو كفاح الشعوب الأفريقية،المستوحى من معاناتها وتجاربها الخاصة.إنه كفاح من أجل الحق في العيش.” رمزية كفاح شعب جمهورية جنوب إفريقيا وصدق نضال شعبها وقدرتها على بلورة نموذج تنموي رائد في جنوب إفريقيا يجعل من زيارة إبراهيم غالي تحمل الكثير من علامات الإستفهام،وتطرح العديد من الإشكالات الأخلاقية والسياسية.النظام الجنوب الإفريقي بعد قراره التاريخي بإلغاء نظام الميز العنصري،وبناء دولة جديدة على قيم جديدة إستطاع أن يحافظ طوال السنوات السابقة على تفرد تجربته،ووضوح أسلوبه و تمسكه بقيمه الإنسانية والنضالية المستمدة من مرجعية الكفاح الإنساني لمئات الآلاف من المعتقلين وعشرات الآلاف من القتلى والمفقودين.لكن ان يتم إستقبال مجرم حرب يقود ميليشيا إنفصالية بتندوف تورط ويتورط قادتها وأفرادها في قضايا دولية ضد الإنسانية،وجرائم الإبادةوالتهجير القسري والإختطاف والإغتصاب والتعذيب ترقى لجرائم حرب،وحيث تقوم هذه الميليشيا بإحتجاز عشرات الآلاف من المدنيين العزل كرهائن في مخيمات تفتقر لكل مقومات العيش الكريم يعيشون في ظروف غير إنسانية بالإضافة إلى إنتشار ظاهرة الرق و الإتجار في العبيد بين قياداتها .كل هذه المعطيات تساءل الضمير الإنساني داخل جنوب إفريقيا حيث تقوم بريتوريا بتقديم حبل نجاة وهمي لن يطول تأثيره لرجل غارق في عزلة إقليمية يقود ميليشيا لا تؤمن بالديمقراطية،ومبدأ التداول السلمي للسلطة وبدون موقف سياسي أوعسكري واضح يعيش حالة متقدمة من متلازمة الإنكار ..التجربة الديمقراطية لجمهورية جنوب إفريقيا تستحق الإحترام والإجلال والتقدير برموزها الوطنية وشرعيتها التاريخية ونموذجها التنموي والإقتصادي الصاعد والمؤثر في المحيط الإقليمي جنوب القارة الإفريقية والقاري،في وضع مشابه تعيشه المملكة المغربية في شمال القارة الإفريقية بشرعية تاريخيةوملكية حامية لدولة ذات سيلدة وشعب متفرد هي عوامل تؤثث الإستقرار المغربي الذي يدعمه نموذج إقتصادي يتميز بالمرونة ومؤثر بشكل كبير على محيطه الإقليمي رغم التحديات والمطبات التي تضعها القوى الإستعمارية في طريق تقدمه منذ أن إتخذ المغرب سياسة إفريقية أكثر وضوحا و نزوعا لمصالح شعوبها .لذا فالزيارة الإستعراضية التي يقوم بها زعيم ميليشيا تندوف هدفها أساسا إكتساب شرعية داخل المخيمات في حملة سياسية سابقة لأوانها قبيل مؤتمر الجبهة السادس عشر الذي ينعقد في سياق عام يطبعه تدهور كبير في قدرة الميليشيا على تدبير الوضع داخل المخيمات وظهور تصدعات قبلية في هياكلها التي تحولت لوحدات عشائرية مستقلة ومتناحرة خاصة بعد الضربات الموجعة التي تلقتها بعد فشل حربها الزائفة في الصحراء المغربية،التي خسرت فيها البوليساريو عدة مكاسب سياسيةوديبلوماسية،وقانونية،وعسكرية على المستوى القاري والدولي.إستخدام رمزية جنوب إفريقيا من طرف قيادة الميليشيا في هذا التوقيت يأتي لخدمة أجندات داخلية تخدم مصالح جماعة إبراهيم غالي والعناصر المرتبطة بالمخابرات الجزائرية داخل المخيمات لذا تسعى هذه الأخيرة لتنظيم حملة علاقات عامة قارية من أجل تثبيت سلطته بخلط الأوراق و إستخدام كل الوسائل لإظهاره بصورة رئيس دولة يحظى بإحترام ما ..
– حسابات الداخل لكل من ميليشيا البوليساريو والجزائر وجنوب إفريقيا ..كل هذه الاطراف لديها تحديات داخلية مصيرية ، إبراهيم غالي يريد تثبيت أركان قوته في المخيمات خاصة بعد الهزائم العسكرية والسياسية التي تلقاها من المغرب في السنوات الأخيرة،الجزائر تريد تقديم شيئ للشعب الجزائري يبرر تبديد مليارات الدولارات التي يتم صرفها لدعم قضية لا علاقة لها بالمعيش اليومي والازمة الإقتصادية الخانقةوجنوب إفريقيا لديها تحديات إنتخابية داخلية جد معقدة ومتداخلة مرتبطة بالوضع الإقتصادي وتعثر جهود مكافحة الفساد ورغبة الشعب في التغيير .



