مولود جديد في دنيا الكتاب تاريخ قصر المجاز للمؤرخ رشيد بن عبدالسلام العفاقي


مولود جديد في دنيا الكتاب
تاريخ قصر المجاز
للمؤرخ رشيد بن عبدالسلام العفاقي
الدكتور بدر العمراني لطنجة بريس
لقد أهداني الأخ الفاضل الباحث المؤرخ المطّلع رشيد بن عبد السلام العفاقي، كتابا له صدر أخيرا بعنوان: تاريخ قصر المجاز، عن دار الحديث الكتانية ببيروت، فعجبت للكتاب ولمضمونه، ولهمة الأخ في جمعه وإخراجه، علما أنّ التأريخ لما اندثر من المدن، في سالف أيامها وأحوالها صعب، وخصوصا بالنسبة لقصر المجاز أو القصر الصغير، الذي تشتت أخباره شَذَر مَذَر، ونُسيت معالمه وطُويت فيما غبر، ولم نكن نعرف منها شيئا سوى نتف في كتب التاريخ والتراجم، ومعاينات ابن الحاج النميري في مذكراته أثناء رحلته في ركاب السلطان أبي الحسن المريني، فجاء الكتاب حافلا بما جمع، ومفيدا بما احتوى، وأعجبني فيه منهجيته التاريخية التي سار فيها على وفق التسلسل الزمني للدول التي تعاقبت على حكم المنطقة، بدءً بالفينيقين والرومانيين.. مرورا بالفتح الإسلامي على يد طارق بن زياد (85هـ-110هـ)، فعصر الولاة الأمويين (110هـ-171هـ)، فعصر الأدارسة (172هـ-319هـ)، فعصر الأندلسيين(319هـ-400هـ)، فعصر بني حَمّود(400هـ-445هـ)، فعصر البرغواطيين(445هـ-471هـ)، فعصر المرابطين(471هـ-540هـ)، فعصر الموحدين(540هـ-640هـ)، فعصر المرينيين(640هـ-862هـ)، مخللا إياها خصوصا عصري الموحدين والمرينيين بما عرفته من إنجازات على المستويين العلمي والأدبي، إلى أن ختم الكتاب بما عرفه القصر من أسماء، وما حملته من مدلولات، مع بيان الفروق بينها وبين ما شابهها من أسماء مناطق ومواضع أخرى؛ كالقصر الكبير(قصر عبدالكريم)، والقصر الصغير(قصر مصمودة) المجاور لمدينة البصرة المندثرة.
وتجده خلال الجمع والتقميش، متتبعا المعلومة أينما كانت، ولو في المراجع الأجنبية باللغتين: الفرنسية والإسبانية، حتى يفرغ جهده في البحث والتنقيب، ولا يستنكف –بعد ذلك- عن التصريح بعدم الوجود، أو بوجود النزر القليل في الباب، مثل قوله: لا نتوفر حول قصر المجاز في هذا العصر (عصر الأدارسة) إلا معلومات قليلة جدا.. ص23. أو قوله عن علم: لم أقف على ترجمته. ص76.
ولا يتوانى عن إبراز آرائه واجتهاداته بكل جرأة ومسؤولية، ويتمثل ذلك في:
– التعليق على تقرير اكتشاف منطقة “ظهر أسقفان”، بقوله: ولقد عجبت من وصف ما جرى بالاكتشاف، لأننل كنا نعلم بوجود تلك الآثار… ص7. وقوله: والملاحظ أن الأسلوب الأدبي يطغى على عبارته، ونحن لا نزال حتى الآن ننتظر تقريرا علميا مفصلا حول آثار “ظهر أسقفان”…ص9.
– التعليق على حادثة الفصل القاري المنسوبة إلى الإسكندر، بقوله: ولا يخفى الطابع الأسطوري لهذه الحكاية؛ إلا أننا لا ينبغي أن نسقط من حسابنا أن بعض النصوص الأسطورية ليست كلها خيالية، وإنما قد نجد في لحمتها وسداها نصيبا من الحقيقة؛ إلا أنها في جملتها حقيقة أو حقائق مضخّمة يصعب القبض على الجزء الصحيح فيها.. ص12.
– تصحيح بعض الأسماء، مثل “مرو”، قال: وعندي يحتمل أن تكون “يرو” الذي هو لقب عائلة لا تزال تعيش في أنجرة وحوز سبتة. ص37.
– بيان زيف نسبة بعض الأخبار، مع التصحيح، مثل قوله عن ترجمة الفقيه أحمد بوزيد رحمه الله للعالم الصالح أبي الحسن ابن حرزهم، التي أورد فقرات منها خلال الصفحتين 68-69: هذا ما سطره الفقيه أحمد بوزيد رحمه الله، وهذا ما يعتقده الكثير من أهل القبيلة الأنجرية وغيرهم ممن لهم اطلاع على نصوص تاريخ هذه المنطقة، ولكني لم أجد من ترجم لأبي الحسن ابن حرزهم –أو حرازم كما هو شائع- يذكر أن أصل سلفه من الأندلس، أو أنه دخل إشبيلية، والحكاية التي أتى بها ابن الزيات في ترجمته وملخصها أن رجلا أندلسيا من أهل إشبيلية حمل إليه كسوة كانت زوجة ابن حرزهم قد طلبتها لتحضر بها عرس أخيها، فهي حكاية مكان وقوعها مدينة مراكش، وليس فيها ما يدل على صلة قرابة بالأندلس. والذي أراه هو أن من كان يأتي إلى موضع المزارة من بلاد أنجرة، ويقيم فيه مدة، ثم يجوز البحر إلى الأندلس من مرسى قصر المجاز هو حفيد أبي الحسن بن حرزهم المذكور.. المترجم عند ابن الأبار في التكملة… ص69.
– ترميم بعض النقول من أجل تصحيح السياق، مثل ما يوحي به قوله في هامش ص89: بعد كلمة “واحتل” وقع سقط في الطبعة المعتمدة من تاريخ ابن خلدون ينتهي عند كلمة “واحتل” الواقعة في السطر التاني، وقد تم الاستدراك من نسخة أخرى.
– التنبيه على ما يقع في بعض المصادر المطبوعة من التصحيف والتحريف، مثل ما أشار إليه بهامش ص97 بقوله: كذا بالمطبوع، وقد تكون مصحّفة. وانظر أيضا ص102-103.
– الإشارة إلى أماكن بعض المواضع التاريخية التي لا تزال قائمة إلى الآن، مثل قوله بهامش ص120: وادي أَوْيات: موضع قريب من سبتة، لا يزال يحمل هذا الإسم إلى اليوم.
ومن مزايا هذا الكتاب أيضا، اعتناء مؤلفه بضبط الأسماء ومشكل الكلمات، وهذا مما يحمد له، خصوصا إذا كان في صنيعه إحياءً لبعض اللغات التي تنوسيت في الفصحى، واحتفظ بها الآن على لسان بعض القبائل الجبلية، مثل العدوة، ضبطها مرّة بكسر العين: العِدْوَة، ومرات بضم العين: العُدْوة. فالضم مشهور والقرآن الكريم أكبر شاهد عليه في سورة الأنعام: [إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)]. ونص على صحة لغة كسر العين، ابن السّكيت في إصلاح المنطق، وتابعه على ذلك كل من ابن هشام اللخمي في المدخل إلى تقويم اللسان، وابن هانئ في مختصره المسمى إنشاد الضوال وإرشاد السؤال، وابن خاتمة في مختصره المسمى إيراد اللآل من إنشاد الضوال…
هذا من باب الإفادة حتى لا يتجرأ البعض إلى التخطئة.
لكنه جانبه الصواب في البعض الآخر، وهذا طبيعي في كل مؤَلِّف ومُؤَلَّف، وجلّ من لا يسهو، وقديما قال الجاحظ: قلب المنشئ مشغول، وقلب القارئ فارغ. ومن هذا الباب نورد ما وقعت عليه عيني نصحا وإرشادا للصواب.
– في ص3: بداية العِقْد الخامس.. والصواب: العَقْد بفتح العين، لأن العقد بالكسر هو العِقْدُ: خَيْطٌ يُنْظَمُ فيه الخَرَزُ ونحوهُ يُحيطُ بالعُنُقِ. والجمع: عُقُودٌ. أما بالفتح فهو من الأَعداد: العشَرةُ والعشرون إِلى التسعين. انظر المعجم الوسيط.
– في ص47:
لاقى الكليم على الشاطئ به خضرا ** وفيه لاقى أخاه السيد الصمد
الصواب: الشاطي، غير مهموز الآخر، كي لا يختل وزن بحر البسيط، هكذا:
لاقى الكليم على الشاطي به خضرا ** وفيه لاقى أخاه السيد الصمد
– في ص57:
دعا الشوق قلبي والركائبَ والركبا ** فلبوا جميعاً وَهُو أولُ من لبى
وظلنا نشاوى للذي بقلوبنا ** نخالُ الهوى كأساً ويحسبنا شُرْبا
إذا القضب هزتها الرياحُ تذكروا ** قدودَ الحسانِ البيضِ فاعتنقوا القَضْبا
الصواب:
وَهْوَ، بسكون الهاء، كي لا يختل وزن بحر الطويل.
شِرْبا، بكسر الشين، وسكون الراء، بمعنى: الحظ أو النصيب مما يُشْرب؛ سواء كان ماءً أو خمرا أوغيرهما…
– في ص71:
كأنما اقترب البرّان واتصلا ** فصار ذاك طريقاً للورى يَبِسا
الصواب: يَبَسا. بفتح الباء، صفة للطريق، مثل قوله تعالى في سورة طه: (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا).
– في ص120:
تناسوني الأحبّة إذ رأوني ** رهين جنادلٍ تحت التُّراب
فمن رَأى مَضجعي فليعتبر بي ** ولا يغترّ بعْديَ بالشّباب
ليعتبرِ اللذين رأوا شبابي ** كأنّ الموت لم يَكُ في حسابي
يَزُورُني الحبيب ولا يراني ** ويدعوني ولا يرجو جوابي
الصواب:
فَمَنْ رَّا، بتشديد الراء والمد.
يَزُورُنِيَ، بكسر النون وفتح الياء الأخيرة.
وكلاهما مضبوطتان على الصواب في المخطوط الذي نقل منه المؤرخ، وانظر ظهر خلاف الكتاب المطبوع.
هذا ما تبين لي في التعريف بهذا المولود الجديد، وهو كتاب جَيِّد، وصاحبه أفاد فيه غاية الإفادة، وحاز قصب السبق في سدّ هذه الثلمة في تاريخ مدن المغرب العتيقة الضاربة في القدم، وما عساي إلا أن أنشد فيه:
كتاب قد حوى علما تسامى *** بأخبار لقصر ذي مجاز
بدائعه لها التاريخ يحكي *** محاسن في حبور واعتزاز
ونسأل الله تعالى أن يوفقه لإتمام الجزء الثاني، والله الموفق والهادي لكل خير.



